Friday, April 20, 2007

ضحايا دارفور ليسوا من بني جلدتنا



غلق

ضحايا دارفور ليسوا من -بني جلدتنا-

رجاء بن سلامة rajabenslama@yahoo.fr الحوار المتمدن - العدد: 1885 - 2007 / 4 / 14 4.8 / 5 Rate this article More from same author -->
فعلا، ما قيمة دم الأفارقة عند المثقّفين والإعلاميّين والحكماء والنّجوم العرب، بمن فيهم أصحاب المشاعر الرّقيقة الذين دمعت أعينهم لمرأى إعدام الدّكتاتور صدّام حسين، وربّما صلّوا صلاة الغائب عليه، وينتظرون استتباب الأمن في العراق حتّى يزوروا قبره؟ لماذا لا ترقّ قلوب هؤلاء لملايين المشرّدين والقتلى والمغتصبين والمجوّعين ولمجزرة بدأت شتاء 2003 وتتواصل إلى اليوم؟ أم أنّ حقوق الزّعماء في عرفنا أهمّ من حقوق الشّعوب، والشّعوب يجب أن تكون في خدمة زعمائها لا العكس؟ ما هي الشّروط التي يجب توفّرها في القضايا الإنسانيّة حتّى تنال اهتمام المهتمّين بالشّأن العامّ والإعلاميّين، أم أنّ الشّأن العامّ لا يتّسع عندنا لكلّ القضايا؟ أم أنّ القضيّة لا تكون قضيّة إلاّ إذا كان الخصم المباشر فيها هو العدوّ الصّهيونيّ الأمريكيّ؟ أم أنّ قيمة إنسان القارّة السّوداء دون قيمة إنسان الشّرق الأوسط؟ أم أنّ كلّ قضيّة تثار في العالم غايتها الإلهاء عن القضيّة الفلسطينيّة، وعن قضايا العرب والمسلمين عامّة كما يفهم من مقال السّيّد فهمي الهويدي الذي كتبه تحت عنوان "شكوك وراء تفجير قضية دارفور وتدويله" وكان ربّما بمثابة المانيفاستو بالنّسبة إلى الكثيرين؟ (نشر هذا المقال في صحيفة الشّرق الأوسط بتاريخ 21/07/ 2004).إذا استثنينا بعض المقالات التي نشرت على الأنترنيت خاصّة، وفي موقع شفّاف الشّرق الأوسط على وجه أخصّ، وبيانا يتيما وقّعه بعض المثقّفين من العالم العربيّ وقد صيغ بمبادرة من جمعيّة "بيان الحرّيّات" بفرنسا، ولم تتفضّل أيّ صحيفة ورقيّة عربيّة بنشره على حدّ علمي، بل نشرت نسخته الفرنسيّة صحيفة اللّيباراسيون الفرنسيّة، إذا استثنينا صيحات الفزع المعزولة هذه، فإنّ صمت المثقّفين وكتّاب الرّأي مطبق على هذه المأساة. بل الأدهى والأمرّ أنّ الكثير من "المثقّفين" الإسلاميّين والقوميّين وصل بهم استخفافهم المعهود بالضّحايا وبالحقّ في الحياة إلى حدّ التّشكيك والطّعن في صحّة الأخبار والمشاهد والتّقارير التي تفيد بمقتل قرابة 400 ألف شخص وتشريد مليونين ونصف، وحرق 80 بالمائة من القرى، إضافة إلى اغتصاب النّساء وتجنيد الأطفال وقطع المؤونة عن اللاّجئين... لم تتغلّب فحسب "المعالجة" السّياسيّة على المعالجة الإنسانيّة، بل إنّ النّعرة الإسلامويّة والقوميّة أدّت إلى إنكار أقلّ ما يقال عنه أنّه لامسؤول ولاأخلاقيّ. فمثقّفونا الإسلاميّون والقوميّون ومن لفّ لفّهم ينتصرون للنّظام العسكريّ الدّينيّ، ولميليشيات الجنوجيد العربيّة المتحالفة معه ضدّ المدنيّين العزّل، وضدّ أيّ تدخّل أمميّ لحمايتهم. وبعبارة أخرى فإنّ ضمائرهم تحرّكت للمطالبة بحقّ القائد الإسلاميّ وحقّ ميليشيات المجاهدين بالانفراد بمدنيّي دارفور لإبادتهم وتشريدهم، دون منغّص خارجيّ من شأنه عرقلة عمليّة التّطهير العرقيّ. كان يمكن لهؤلاء أن يدافعوا عن خيار الإسلام السّياسيّ وخيار مقاومة العدوّ دون إنكار الكارثة الإنسانيّة، وكان يمكن أن لا يضعوا قضايا الشّرق الأوسط وقضيّة دارفور في الميزان، وكأنّ علينا أن نختار بين قضيّة حقيقيّة وقضايا زائفة ومختلقة من شأنها أن تلهينا عنها. ولكنّ نظريّة المؤامرة أصبحت في ربوعنا ثابتا من ثوابت كلّ تفاعل سياسيّ مع كلّ قضيّة. وفي هذه الحالة، فإنّ ما يسمّى بـ"نظريّة المؤامرة" ليست نظريّة بل هذيانا حقيقيّا، لأنّها تتمثّل في خطاب ينفي وجود الواقع الماثل أمام الأعين ليبني واقعه الخاصّ، ومشهده الخاصّ، وسيناريوهاته الخاصّة. ورغم التّحرّكات الدّوليّة وصيحات الفزع المشار إليها، فإنّ هذا التّشكيك مستمرّ إلى اليوم دون رادع ولا وازع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، صدر في يوم 19 مارس بصحيفة القدس العربيّ مقال يذهب فيه صاحبه إلى أنّ أزمة دارفور أزمة مفتعلة "بهدف خلق المزيد من الأزمات لهذه الحكومة التي ترفض مسايرة السياسات الأمريكيّة في المنطقة العربية والإفريقية حتي اصبحت دارفور إحدى أهم القضايا المثيرة في العالم بفضل الأخطبوط السياسي والإعلامي الامبريالي". المفترض في هذا الكلام هو أنّ مساكين دارفور ليسوا ضحايا لميليشيات النّظام السّودانيّ، بل ضحايا للمؤامرة الخارجيّة الإمبرياليّة، فهم إلى حدّ ما أغبياء يستحقّون ما ينالونه، على فرض أنّهم تعرّضوا فعلا إلى الضّيم. المهمّ في هذا الوعي السّياسيّ هو أن يكون لنا زعماء يمسرحون الرّفض، ويقولون لا لأمريكا، ويقسمون باللّه وهم يتّخذون قراراتهم العنتريّة، ويتوعّدون الأعداء، ويحمون بيضة خير أمّة أخرجت للنّاس، ولا يهمّ بعد ذلك ما يصنعه هؤلاء الزّعماء بشعوبهم. ولكن ليس كلّ المثقّفين العرب وكلّ المهتمّين بالشّأن العامّ من أنصار الإسلام السّياسيّ ونظريّة المؤامرة، ولا تكفي فجاجة الرّؤية السّياسيّة أو هذيان المؤامرة لتفسير هذا الصّمت. فربّما كان خطاب المؤامرة حجابا يخفي وراءه بؤسا من نوع آخر. هناك تبريرات وشكوك أصحاب الموقف، وهناك صمت من لا موقف له، ووراء ثرثرة أولئك وصمت هؤلاء توجد منطقة آسنة من إنكار آخر، وهذه المنطقة يلفّها الصّمت هي الأخرى. عوّدنا أغلب نجوم المشهد الثّقافيّ على الصّمت عن انتهاكات حقوق الإنسان على الصّعيد العربيّ، سواء منها الانتهاكات الظّرفيّة أو الانتهاكات المؤبّدة بالمنظومات القانونيّة، لأنّ هذا الصّمت جزء من لعبة المشهد ولعبة النّجوميّة، وشرط من شروط دخولها. ولكن هناك نوعان من الصّمت : صمت الخوف وصمت الازدراء. ويهمّنا من صمت الخوف ذاك الذي لا يهدف إلى الدّفاع عن النّفس من الأنظمة المحلّيّة الجائرة، بل يهدف إلى الحفاظ على الحظوة والمكانة على النّطاق العربيّ. الكثير من مثقّفينا لا رأي لهم في هذه القضايا، أي لا رأي يعلنون عنه من باب الفعل العموميّ السّياسيّ. إنّهم لا يطالبون مثلا بالمساواة بين الرّجال والنّساء، ولا يجهرون بآرائهم الحقيقيّة عن الدّين والسّياسة لأنّ جهرهم بها يعني زوال الحظوة الإعلاميّة وتضاؤل حظوظ الظّفر بالجوائز السّنيّة التي تبقى مشروطة بحدّ أدنى من الحفاظ على "ثوابت الأمّة". وقد شاهدت بعينيّ مثقّفين أشهر من نار على علم لا يمضون عريضة مساندة لمساجين سياسيّين خشية أن يمنعوا من زيارة البلد الذي يقبع هؤلاء في زنزاناته، ويمتنعون عن الدّفاع عن حقوق النّساء خشية فقدان الحظوة في الدّول الثّريّة التي تعتبر استرقاق النّساء ركنا سادسا من أركان الإسلام، ويتبرّؤون من المتّهمين بالرّدّة خشية فقدان الشّهرة والشّعبيّة. هذا هو صمت الخوف من فقدان الحظوة والنّجوميّة، أمّا في قضيّة الحال، فإنّ الصمت هو صمت الازدراء، وهو ازدراء غير منطوق به، وإن كان ناطقا. أليس منطق "بني جلدتنا" هو المهيمن في هذه اللاّمبالاة؟ فأهل دارفور بشر، وهم إلى ذلك مسلمون، ودارفور تقع في بلاد عضو بالجامعة العربيّة، ولكنّ ذنب الدّارفوريّين الأوّل في عيون العرب أنّهم ليسوا عربا، فهم شبيهون بالأكراد الذين قتل منهم صدّام حسين بالغازات السّامّة وفي يوم واحد 5 آلاف، وذنبهم الثّاني أنّهم "أقلّ إسلاما" من النّظام الذي يبيدهم، وذنبهم الثّالث الأساسيّ وغير المعلن هو أنّ "جلدتهم" غير جلدة العرب. شعور الانتماء البدائيّ من السّهل أن ينقلنا من "بني الجلدة" إلى "لون الجلدة".تضخّم النّقاش عن التّعصّب وحوار الأديان، ولكن لم يفتح عندنا باب النّقاش عمّا هو دون ذلك من أوّليّات التّعايش المدنيّ، أقصد مناهضة العنصريّة باعتبارها شكلا عتيقا بدائيّا من أشكال رفض الآخر. فنحن لا نهتمّ إلاّ بعنصريّة الغربيّين والصّهاينة ضدّنا، ولا نهتمّ بعنصريّتنا نحن، ولا نتحدّث عنها، ولا نطالب بأدوات قانونيّة للعقاب عليها. وليس أدلّ على ذلك من اللّغة التي نتكلّم بها. ففي مناطق كبيرة من العالم العربيّ، ما زال يسمّى الإنسان ذو البشرة السّوداء "عبدا"، وفي مناطق المغرب يسمّى "وصيفا"، أي خادما، وإلى اليوم ينظر العرب إلى سود البشرة كما نظر إليهم القدامى : فهم حالة استثنائيّة ناتجة عن احتراق جدّهم الأوّل في المرجل الإلهيّ، أو هم سليلو اللّعنة التي لحقت بـ"حام" ابن النّبيّ نوح وسوّدت وجهه. وإلى اليوم لم يعترف العرب بدورهم في تجارة العبيد طيلة قرون طويلة، ولم يعتذر أحفاد نخّاسي الأمس لأحفاد عبيد الأمس بأيّ شكل من الأشكال، ولم يتصالحا. وأوّل شكل من أشكال الاعتذار في رأيي هو الاعتراف وتذكّر الماضي لكي لا يبسط ظلاله على الحاضر، وفتح الملفّات التي لا نرغب في فتحها، واحترام ما أصبح يعرف بـ"واجب الذّاكرة". ليست لي أدلّة ملموسة من ثرثرة المنكرين ولا من صمت الصّامتين على أنّ المشكل الأساسيّ يكمن في هذه العنصريّة، ولكنّ فداحة الكارثة من ناحية، والإمعان في الإنكار أو اللامبالاة من ناحية أخرى لا يمكن تفسيرهما في نهاية المطاف إلاّ بهذا الاحتقار للبشريّة السّوداء. ويقيني أنّ اللّغة تعبّر عن النّاس وتفضحهم بقدر ما يعبّرون بها ويستخدمونها، فمن السّهل أن نلحق من نسمّيهم اليوم "عبيدا" بمنزلة العبيد، ومن السّهل أن يأخذ "بنو الجلدة" في حسبانهم لون الجلدة. مثقّفو "بني الجلدة"، و"الأمّة" والقبيلة الموسّعة، ومثقّفو "لون الجلدة" مهما اختلفت مشاربهم واستراتيجيّات صمتهم أو خطابهم يشتركون في أمرين اثنين، أوّلهما أنّهم لم يتعلّموا بعد أبجديّات المساواة بين البشر، والكرامة البشريّة، أي أن تكون للإنسان قيمة في حدّ ذاته، وأن يكون غاية لا وسيلة، وأن تكون حياته أغلى من كلّ شيء. وثانيهما أنّهم لم يدخلوا بعد عصر حقوق الشّعوب، ولم يفهموا أنّ حقوق الأفراد أولى من حقوق الدّول التي تنتهك حقوق الأفراد، والمصالح الإنسانيّة العامّة أولى من المصالح الفرديّة للدّول، ولم يفهموا أنّ المنتظم الأمميّ على علاّته، والمحكمة الجنائيّة الدّوليّة على نقائصها هما الأمل الذي يجب أن نتمسّك به ونرعاه في مواجهة البربريّة القائمة في الدّاخل أو الزّاحفة من الخارج. ويجب أن لا نغترّ بكثرة انتقاد مثقّفينا للأنظمة السّائدة، فبنى الاستبداد والتّمييز ذات دوائر مصغّرة ومكبّرة، وهي تبسط نفوذها على النّفوس قبل أن تبسط سلطانها على المجتمعات.
الموقع الفرعي في الحوار المتمدن : رجاء بن سلامة http://www.rezgar.com/m.asp?i=453
إ




















Thursday, March 08, 2007

الإخوان وحلهم الإسلامي مقال : سيدالقمني










الإخوان وحلهم الإسلامي(1 من 2)
سيد القمني

عندما خرج العرب من جزيرتهم يحتلون دول الحضارات المحيطة بهم في القرن السابع الميلادي تحت راية الإسلام، أو بالأحرى باستخدام الإسلام إنتهازيا (ويجب هنا ألا نخلط بين العرب وبين الإسلام)، كان قد تم وضع تعريف عربي للون جديد من الحرب تم بمزج العرب بالإسلام. فالحرب المعتادة عبر التاريخ في مجموعها تندرج في نوعين: فهي إما حرب دفاعية أو حرب هجومية. أما الجديد المزيج العربي الإسلامي، فهو مفهوم يخلط كلا اللونين تحت اصطلاح الجهاد الذي يعني حربا دائمة في المطلق، لا تتوقف ما دام في الأرض شخصاً واحداً لم يعلن إسلامه بعد. أو لم يدفع الجزية للعرب إعلانا عن الخضوع وإثباتا لسيادتهم لأنهم المسلمون. لأن المبدأ الإسلامي الجهادي الذي وضعه له العرب يقوم على عرض ثلاث خيارات على غير المسلمين وهي: الإسلام أو الجزية أو الحرب. ومن ثم أصبح جهاد الفتوح يعد فقهيا من الفروض الإسلامية الأساسية مثله مثل الصلاة والصيام ويسمي فرض كفاية. أي يكفي أن يقوم به القادرون على القتال من المسلمين ليسقط التكليف عن بقية المسلمين. ولكن بشرط إعانة المسلمين غير المقاتلين للمسلمين المقاتلين بالمال والدعم والسلاح وكل ما هو ممكن، وإذا توقف هذا الجهاد فقد أثم كل المسلمين واستحقوا عقوبة ربانية بالذل والمسكنة والهوان. لذلك رأى المسلمون المعاصرون أن تخلفهم الحالي، وضعفهم وهوانهم، كان نتيجة تخليهم المؤقت عن فريضة الجهاد.

ولأن خروج أي جيش بحروبه خارج حدود أرضه الوطنية هو عدوان على بلاد الآخرين، ولأن الإسلام دين يفترض فيه أن يكون ضد العدوان على الآمنين كأي دين أخر، فقد برر العرب عدوانهم الغازي لاحتلال البلاد المحيطة بالجزيرة باستثمار دين المسلمين، بدمج الحرب الدفاعية بالحرب الهجومية تحت مسمي اصطلاحي واحد هو (الجهاد) الوارد في القرآن، وأنه أمر إلهي وليس بشريا لا يملك المسلم معه إلا الطاعة والامتثال للقرار الإلهي. فتصبح جريمة عدوان العرب الفاتحين على الآمنين ليست بجريمة لأن من أمر بها هو الله (الذي حرم العدوان على الآمنين)، والله لا يأمر إلا بالخير، حتى لو ظهرت عدوانا، لأنها في النهاية تمكين لدين الله في الأرض، ويكون المدافع عن عرضه ووطنه وممتلكاته (وفق هذا المبدأ العربي الملتبس بالإسلام ) هو المجرم، لأنه يقف في طريق نشر دعوة السماء. لذلك كان العدوان على غير المسلمين وحتى اليوم من وجهة النظر العربية التي أصبحت شرعا إسلاميا، هو شرع مشروع، وهو الخير نفسه، بل أنه أفضل عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، لأنها تصل إلي حد قتل المسلم نفسه في حروب ذلك الزمان بالسلاح الأبيض، الذي كان لا بد فيه من افتراض موت المحارب. وفي حال موته، فإن موته يسمي استشهادا في سبيل الله، يدخل بموجبه جنات الله السماوية عريسا تزفه الملائكة للحور العين. هكذا قنن الفقه الذي صيغ على قدر مصالح العرب وحدهم.

ومع تحولات الزمن وتطور أدوات الحرب التي يمكن بها القتال دون موت المقاتل أو تقليل نسبة الموت، فان المسلم اليوم يحنط التاريخ من بابين: الأول هو تقديس الفعل الإرهابي الحالي، والثاني من باب اعتقاد سحري قديم وهو أن الشبيه ينتج الشبيه، فيذهب ليس بغرض القتال بل بغرض الموت شهيداً، أي الاستشهاد بقتل نفسه قربانا للرب حتى يحوز الرضي الإلهي ومكانا أفضل في جناته. وحتى ينتج الشبيه شبيهه فينصر الرب المسلمين اليوم وهم في ضعف وهوان كما سبق ونصر المسلمين الأوائل وهم أذلة على إمبراطوريات زمانهم عندما جاهدوا طلبا للشهادة..........أو هكذا قنن العرب.

ومع مفهوم الجهاد الإسلامي هذا لن تجد في علوم الفقه الإسلامي فقها للدفاع عن الوطن لأن الوطنية في الفقه الاسلامى كفر، لأن وطن المسلم هو الإسلام ذاته، ومساحته الجغرافية هي العالم كله. لذلك يقول الشيخ ( يوسف القرضاوى) ملخصا موقف الإسلام الفقهي من الوطنية: "ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتقدم فيه العصبية الوطنية على الأخوة الإسلامية حتى يقول المسلم وطني قبل ديني". ثم يجعل الوطنية كفراً وعبادة أوثان، وأن "دار الإسلام ليس لها رقعة محددة" ويترتب على ذلك أن تكون " مشاعر الولاء للإسلام وأهله هي التي تقود المجتمع وكذلك مشاعر البغض لأعداء الإسلام (من كتابه : ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده / مكتبة وهبة / القاهرة /2001 / ص: 86، 24 80،57 ")، أو قوله في كتاب أخر: إن الوطنية هي من صناعة الدول الأستعمارية بغرض تفكيك وحدة المسلمين أو بنص كلامه: "في واقع مصر والوطن العربي والإسلامى.. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين إلى أن يحل الوطن محل الدين، وأن يكون الولاء للوطن لا لله، وأن يقسم الناس بالوطن لا بالله، وأن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله / (كتابه الأخوان المسلمون / مكتبة وهبة / 1999 ص 18،19 "). ومن ثم تجد بدلا من مفهوم الوطنية أبوابا طوالا لفقه الجهاد، الذي كان عبر التاريخ هو الاعتداء العربي الدائم على غير المسلمين واحتلال بلادهم وتحويلها إلي بلاد مسلمة كلما كان ذلك ممكنا. وقد أسمى القرآن وأحاديث النبي محمد (ص)هذا الفعل باسمه الصريح دون مواربة أو تحرج (غزوا)، ولكنه كان زمن النبي يحدث داخل جزيرة العرب لتوحيد شتات قبائلها في دولة واحدة، لكنه مع العرب تحول إلى الخارج حيث استخدموا ذات المفاهيم ولكن لاحتلال دول المحيط. ولا زال حتى غزوتي نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 المباركتين!!!!. وهو فعل راق مقدس لا يشين صاحبه بل يشرفه ويرفعه درجات أعلى من السمو. مثلما كانت أفعال القتل الجماعي في سيناء بأمر موسي النبي، أو مجازر يشوع، أو حروب داود، وكلها بذوق اليوم جرائم قتل جماعي، لكنها زمانهم كانت أفعالا مقدسة لأنهم كانوا أنبياء يتلقون أوامرهم من السماء. وسجل العهد القديم من الكتاب المقدس ذلك بوضوح شفاف ودون تزويق، ودون أن يشعر المحرر بأي حرج فيما دونه. الفرق هنا أن ما جاء بالعهد القديم وغيره من كتب الأديان الأخرى، قد أصبح قديما وانتهي بنهاية زمنه وأصبح مجرد فولكلور للمؤمن به، بينما هو في الفقه الإسلامي حي قائم فاعل مستمر حتى اليوم.

كذلك كانت مهنة الحرب في تلك الأزمنة الخوالي مهنة نبيلة شريفة عند مختلف الأمم، لأنها كانت تعود على المحارب بالجاه والمال والمكانة الاجتماعية. و كانت كذلك في الإسلام. لكن الإسلام أعطاها زخما جديدا فأصبحت إضافة لشرفها ونبلها حرفة مقدسة، وأباح الإسلام للمحارب المسلم الاستيلاء على كل ممتلكات غريمه بعد أن أباح له دمه، سواء كانت تلك الممتلكات مال أو عقار، أو حتى نساء وأطفال أو رجال أسري، يتم بيعهم في أسواق النخاسة. فكانت مهنة الجهاد مصدر ربح عظيم للمسلم المجاهد، فحاز المكانة الاجتماعية الرفيعة، وصار ينظر إليه حتى اليوم بحسبانه بطلا مقدسا أسطوريا يتما هي في شخصه كل المسلمين. ونموذجا لذلك سفاح عربي تاريخي لا مثيل له هو خالد بن الوليد الفاتح الدموي لبلاد العراق؛ الذي كان يتسلى ويتلذذ بلذة القتل للقتل، ومع ذلك هو في نظر المسلمين نموذج مقدس وصفه الخليفة أبو بكر بأنه "سيف الله المسلول"، ووصفه مرة أخرى بقوله: "عجزت الولائد أن يلدن مثل خالد". ومن ثم شكل خالد نموذجا يحلم المسلمون اليوم برجل مثله يقودهم لفتح بلاد العالم مرة أخرى.

في تلك الأزمان كان شعار الجيوش الإسلامية الفاتحة لبلاد الآخرين هو: "الإسلام أو الجزية أو الحرب". كان هذا ما يعرضه خالد بن الوليد، أو عمرو بن العاص، أو القعقاع، أو غيرهم من قواد الجيوش العربية على الشعوب الأخرى. ويبدو الشعار دعوة لدين جديد لكن الحقيقة لم تكن أبدا كذلك، لأنهم لو كانوا يقصدون الدعوة لدينهم الجديد حقا، لأعطوا الناس فرصة للتفكير في هذا الدين الجديد، ولاصطحب الجيوش معها فقهاء الدين لشرحه للناس قبل القتال، وعقد المناظرات مع أصحاب الديانات السابقة لإثبات تفوق الإسلام على غيره من أديان. لكن ذلك كله لم يكن واردا، ولم يحدث ولا مرة واحدة في تاريخ الجهاد العربي. هذا رغم أن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من أبطال الجهاد، قد ظلوا على دين قومهم بل وقادوا جيوش مكة ضد المسلمين في أكثر من موقعة، ومن ثم استغرقوا سنوات طوال منذ بدء الدعوة الإسلامية حتى قرروا إعلان إسلامهم، وانضمامهم للقوة الجديدة المنتصرة في جزيرة العرب. بينما الجيوش العربية الفاتحة بقيادة هؤلاء أنفسهم، عندما كانت تصل في سيرها الفاتح أبواب أي مدينة، كانت تطلب إجابة فورية واضحة على العرض: الإسلام أو الجزية أو الحرب. علما أن قواد الجيوش المسلمة أنفسهم لو سألناهم عما هو الإسلام ما أجابونا إجابة واضحة، لأن القرآن الكتاب المقدس الأول لم يكن قد تم جمعه بعد ، وكان المسلم يكتفي بحفظ بضع آيات يستخدمها في صلاته، ولم يكن بين هذه الجيوش أحد من حفاظ القرآن، بعد أن تم التحفظ عليهم في يثرب عاصمة المسلمين حفاظا على حياتهم، بعد موت أكثرهم في حروب المنشقين على الدولة في الجزيرة (حروب الردة). كذلك لم تكن أحاديث النبي قد تم جمعها وتدوينها بدورها، ولم يتم ذلك إلا بعد مرور قرن ونصف من الزمان، ولا كانت علوم الفقه قد ظهرت بعد، بل ولم تكن لغة العرب نفسها قد تم وضعها في شكل قواعد واضحة متفق عليها.

إن شعار الإسلام أو الجزية أو الحرب، لم يكن هدفه الحقيقي هو دين الإسلام أو أسامة البلاد المفتوحة، بقدر ما كان إخضاعا لهذه البلاد لسيادة العرب، وتبرير جرائم القتل والإبادة الجماعية والنهب والسبي، بكون الجيوش العربية مسيرة بأمر الرب لنشر دينه، لأن سلب الممتلكات أو سبي النساء أو أسر الأطفال وبيعهم في أسواق العبيد، كان حق الرب، وكان العرب ينفذون إرادته القدسية، لذلك كانوا يسقطون الجزية والأسر والقتل عمن يخضع للرب ويعلن إسلامه وخضوعه للعرب.

ولأن المثل العربي يقول: "كل عربي تاجر" وهي حقيقة تاريخية معلومة ، فقد كانوا تجار العالم القديم بعد أن انقطعت طرق التجارة العالمية، خلال زمن طويل قبل الإسلام بسبب حرب الفرس والروم، ولم يبق أمنا لها سوى صحراء الجزيرة التي لم يرغب فيها لا الفرس ولا الروم. ومن ثم أصبح العرب تجار العالم القديم بلا منازع. أصبح الجهاد صفقة على طريقة التجار، صفقة بين الله وبين العرب، يقوم بموجبها العرب بإخضاع العالم للعبودية لله، مقابل أخذ نصيبهم من الصفقة أموال ونساء وأطفال وأرض المهزوم. وبموجب هذه الصفقة تنازل الله لهم عن حقه في الغنائم، والتي كان يأمر في العهد القديم بحرقها جميعا للرب (انظر سفر الخروج والعدد ويشوع)، لكنه قرر تركها للعرب في حديث النبي محمد "أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا"، وأكد القرآن تنازل الرب عن حقه في الغنائم للمسلمين بدلا من حرقها، وأنها حلال مشروع بقول القرآن للمسلمين "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ".

والوصف "طيبا" هنا يضيف إلى شرعية الغنائم صفة الخيرية أيضا والشرف وطهارة المصدر. هذا باختصار ما كان عن مفهوم الجهاد منذ ظهوره. ويزعم كاتب هذه السطور أن هذا الشعار لا زال قائما وتمت استعادته بعد تحوير طفيف، هو شعار الإخوان المسلمين "الإسلام هو الحل". ومعني ان يكون الإسلام هو الحل أن العلم الحديث الذي أدى لتقدم العالم كله ليس هو الحل لتخلف بلاد المسلمين، وهو ما يعني ضمنا تنشيط الخرافة وروح التواكل والاعتماد على الله وليس على العقل. وهو ما يعني أيضا أن الديمقراطية ليست هي الحل. الإسلام هو الحل وليس عقلي ولا علمي ولا يدي ولا ديمقراطيتي ولا حقوقي الإنسانية هي الحل. شعار يرفض أي طريق للحل سوي ذاته، شعار يعني عدم اللجوء للحلول البشرية ما دامت لدينا الحلول الالهية، والحلول الإلهية تقوم أساسا على تعبد المسلم لربه، بالصلاة والصيام والحج والدعاء وغيره، وهو كفيل بإنقاذه وإنقاذ أمة المسلمين. وأعلى درجات هذا التعبد هي الجهاد لاحتلال بلاد الآخرين، ونزح خيراتها إلي بلاد المسلمين فيتم حل كل مشاكل المسلمين. لذلك حصد الإخوان في الانتخابات التشريعية ما حصدوا من أصوات لأن شعار الإسلام هو الحل، هو شعار كل مسلم وليس شعار الإخوان وحدهم. ولو كانت في مصر انتخابات نزيهة حقيقية لاكتسح "الإسلام هو الحل" كل الأحزاب الأخري، ليس لأن الإخوان جماعة منظمة تنظيما دقيقا كما يبرر المتفلسفون، وليس لأنها حقيقة واقعة في المجتمع وفي الشارع المصري أثبتت نشاطها التنظيمي القوي حسبما يرى المنظرون السياسيون. فليس مثل تلك الأسباب وراء تصويت المسلم المصري للجماعة، لأنه ليس هكذا يفكر رجل الشارع المصري. المصري يستشعر الهوان والتخلف والفقر والهزيمة، وبمعاونة متمرسة من إعلام الدولة أصبح يعتبر أن ذلك بسبب آثامه وبعده عن طريق الله حسبما يقرعه مشايخ القنوات التليفزيونية صباحا ومساء. ومن ثم يرى في الجماعة نموذجا للتقوي والالتزام (فكل مشايخ التلفزيون ومعظم الأزاهرة هم أعضاء في الجماعة، إن من صنع هذة الجماعة هو إعلام دولتنا لا بارك الله فيه)، وأنها هي الأقرب إلى الله، وأنها لو حكمت مصر فإن الله سينصرها لأنها الأكثر طهرا وقربا من رب الإسلام. فهم ملتحون مصلون صائمون حريصون على اداء الصلوات الجامعة، نساؤهم منقبات قانتات. هم نموذج الصحابة الأوائل للنبي الذين تدخل الله بنفسه من أجلهم، ورفعهم من الذل والفقر إلي التمكين والعز والقوة وفتح بهم بلاد العالم. إن الشارع المصري عندما يعطيهم صوته فهو يعطيه لما يتصور أنه الإسلام الذي يرضي عنه الرب. لذلك لم يجد الإخوان أي بأس في استثمار هذه المشاعر الفطرية البسيطة فكان إعلانهم عن أنفسهم في الانتخابات للمواطن (أعط صوتك لله) ، (لا ميثاق ولا دستور..قال الله وقال الرسول).

المصري يري الفارق الهائل بين العالم المتقدم وبين بلاد المسلمين فلا يري أي إمكان للحاق بالمتفوقين بجهوده البشرية ، ومن ثم فلا حل سوي أن يتدخل الله بنفسه لينقذ امته المختارة بنفسه، فيعطيه صوته ، يعطيه للإخوان. يعطيهم صوته ليتدخل الله وينتقم من اليهود والنصاري ( وعادة ما يتم تركيز الكراهية هنا على إسرائيل وأمريكا ) الذين أهانوا المسلمين بتفوقهم، ويرفع شأن المسلمين إلي مقام السيادة الموعودة ربانيا. لذلك يقدم الإخوان أنفسهم للناس بوصف أنفسهم بأنهم المسلمون ، لتعميق شعور بقية المسلمين بأنهم غير مسلمين حقا بل آثمون خطائون. لذلك يلتزم الإخوان المظاهر الدينية التي تجعلهم في نظر البسطاء من مسلمي اليوم كالصحابة الأوائل، ومع هذا الإسلام المخلص النقي يصبح شعار (الإسلام هو الحل) هو الحامل للشعار القديم ، هو الحل لعرض الشعار القديم على العالم القوي الكافر: الإسلام أو الجزية أو الحرب. ويحمل الشعار الجديد حماية الرب الذي كان يحمي الشعار القديم، فاحتل المسلمون به نصف العالم القديم المعروف زمانهم. الشعار يعني ان الرب سيكون راضيا عن الإخوان، ورضاه يعني تسليمهم حقهم في الصفقة التجارية، ليكونوا أصحاب الحق في الحكم والإدارة ، وأن هذه إرادته ورغبته، لأن الحكم بالإسلام فرض شرعي يعلنه الإخوان دوما، بتأكيدهم أنهم سيحكمون بالشريعة الإسلامية، وهو الحكم الكفيل بتأكيد الصلح مع الله ، ليعود رضاه على المسلمين فيقوي شأنهم، ويعودوا سادة العالم من جديد.
الشعار يتضمن أيضا معني أن الإسلام كما هو الحل فهو الغرض والهدف ، وأن الإخوان إنما ينفذون مشيئة الله ولا يبغون من وراء ذلك مكسبا ولا مغنما، فهم لا يريدون من الوصول إلى السلطة وحكم البلاد إلا خير الإسلام والمسلمين، مثلهم مثل الصحابة الاوائل الأطهار، هو ذات ما كان يقوله هؤلاء الصحابة القدامي بشعار الإسلام أو الجزية أو الحرب، لكنهم عندما تمكنوا قتلوا وذبحوا وسلخوا ونهبوا واغتصبوا.
وقد كتب صاحب هذا القلم منذ حوالي عام ونصف بمجلة روزاليوسف القاهرية أن ما يفعله الإخوان في مصر بمبادئهم الوهابية هو إعادة فتح عربي/ هذة المرة سعودي وهابى / لمصر كرة أخري، في موضوع بعنوان (ثأر الدرعية واعادة فتح مصر) ، وبعد اشهر، ولأن النبوءة صحيحة ، فقد أعلن الإخوان ذلك وبنفس التعبير والمعني، في وثيقة خيرت الشاطر بعنوان (فتح مصر)، ليثبت صدق صاحب هذا القلم. إنهم يعيدون فتحها ليس بالشعار القادم من الخارج : الإسلام أو الجزية أو الحرب ، إنما بشعار جديد يتناسب وإعادة احتلال مصر من الداخل، والتسلط علىها بشعار الإسلام هو الحل. وهذا الحكم أو التسلط يسمونه اليوم (التمكين)، وعندما تمكن أسلافهم العرب من قبل فعلوا ببلادنا وشعوبنا الأهوال، فماذا عن تمكين الإخوان وإعادة فتح مصر من الداخل؟
يتبعه 2 من 2

Thursday, March 01, 2007

الإرهاب






جامعة الإرهاب .. وتواطؤ أمنى مفضوح

عبدالكريم نبيل سليمان mailto:karam903@excite.com?subject=الحوار الحوار المتمدن - العدد: 1544 - 2006 / 5 / 8 4.8 / 5 Rate this article More from same author -->
لم أستغرب عندما أعلنت بعض الجهات الأمنية أن أحد منفذى تفجيرات سيناء الأخيرة طالب بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر ، وذالك لأننى أدرك جيدا أن هذه الجامعة هى إحدى مفارخ الإرهاب الهامة فى مصر من خلال مناهجها الدراسية التى تحشو بها عقول الطلاب حشوا وتحولهم من خلالها إلى وحوش آدمية لا تتورع عن إيذاء من يعلن إختلافه معهم لأن مناهجهم - بكل بساطة - علمتهم أن المختلف لا مكان له فى هذه الحياة .وقد كنت حتى وقت قريب أعتقد ذالك بصورة نظرية بحتة ، دون أن أدخل فى غمار تجربة عملية مع طلاب أو أساتذة الجامعة فى مجال الإرهاب المادى ، ولم أكن حتى قبل كتابة هذه السطور بساعات قليلة أتوقع أن أواجه عملية إرهابية عنيفة ممن يدرسون بهذه الجامعة على أساس أن التعميم ضار فى جميع الأحوال ، وكما أن الخبيث موجود فإن الطيب موجود ولو بصورة شبه ضئيلة ، وإستمرت هذه الغيبوبة تنتابنى حتى صباح هذا اليوم عندما توجهت لسحب أوراقى من الكلية بعد أن فصلت منها بقرار من مجلس التأديب قبل حوالى شهرين لأننى عبرت عن رأيي بحرية ، ومنذ أن ولجت من الباب وأنا أستشعر نظرات التشفى والإنتقام فى عيون كل من رأونى وتعرفوا على ، وعندما ذهبت إلى مكتب شئون الطلاب لأطلب منهم أوراقى طلبوا منى التريث قليلا لأن الموظف المسؤل عن ذالك سيحضر بعد قليل ، وفى حمى إنتظارى قررت أن آخذ جولة فى الكلية علها تكون الأخيرة أودع بها هذا العش الخرب الذى ذقت الويلات خلال سنين دراستى به ، وما إن مررت أمام الباب ولمحنى أحد أمناء الشرطة التابعين لحرس الكلية حتى بعث خلفى بعض العساكر الذين طلبوا منى التوجه إلى كابينة الأمن للأهمية ، فذهبت معهم وفوجئت بأن أمين الشرطة المذكور يطلب منى مغادرة الكلية لأننى ممنوع من دخولها ، وذهلت من هذا الطلب وقلت له أننى لم آتى إلى هنا وأضع حزاما ناسفا حول وسطى لأفجر هذا المكان ، وإنما أتيت لسحب أوراقى لأننى مفصول ، فقال لى أن الموظف المختص لم يحضر اليوم ، بينما كنت قد أخبرت من قبل بعض موظفى شئون الطلاب أن الموظف المعنى بذالك سيأتى بعد قليل ، وأثناء جدالنا كان يقف فى هذه الحجرة بعض العناصر الأمنية وأحدهم كان يرتدى زيّأ مدنيا ، ووجدت بعض الطلاب يتجمهرون أمام الباب ويرمقوننى بعيونهم كأنهم عثروا على تحفة أثرية نادرة ، ووجدت أحدهم يصيح بى قائلا : هل أنت الذى كتبت ما نسب اليك ،بأسلوب عصبى مبالغ فيه ، فطلبت منه الإبتعاد عنى لأننى لست فى وضع يسمح لى بالمناقشة ، وبعدما أجرى أمين الشرطة بعض إتصالاته بداخل الكلية أخبرنى أن ملفى لدى الشئون القانونية بالقاهرة للبت فى قرار فصلى ، وأن على أن أتصل بالكلية من آن لآخر قبل حضورى حتى أعرف ما إذا كان قد عاد الى مقر الكلية أم لا ، فأخذت منه رقم هاتف الكلية وإنصرفت خارجا من الباب المخصص للطلاب .لم يكن قد بدأ الفصل العنيف من هذه المهزلة الجامعية الأزهرية عندما لمحت عنصر الأمن الذى كان متواجدا بالداخل يتجه نحوى وبيده عصا إسطوانية الشكل ، فى البداية أخذ يدى تحت أحد ذراعيه وطلب منى أن أجلس معه فى مكان ما لأنه يريد أن يتناقش معى ، فأدركت خطورة الموقف ونزعت يدى من تحت ذراعه وأخبرته أننى على عجلة من أمرى وأنه يجب أن أسرع للعودة الى المنزل ، فوجدته يجذبنى بعنف من ملابسى فأطلقت ساقىَّ للريح بإتجاه الباب الخلفى للكلية الذى خرجت منه ، وما إن لمحنى أحد عناصر الحرس الجامعى حتى طلب منى الإبتعاد لأننى ممنوع من الدخول ، وعندما سألته : هل تعرف مالذى كان سيحدث لى ؟؟ قال لى بالحرف الواحد : عارف .. بس ما شُفتش !!!( أعرف ... ولكننى لم أرى شيئا ) ... عندها تشبثت بالباب وطلبت منهم أن يحضروا لى سيارة أجرة ( تاكسى ) لأننى لا أستطيع أن أغادر فى مثل هذه الظروف ، وإستمر إنتظارى لبعض الوقت حتى إستجاب أمين الشرطة وذهبت معه حتى الشارع العام لأنتظر معه أية سبارة أجرة لأستقلها إلى موقف أوتوبيس غرب الدلتا ومنه الى الإسكندرية ، ولكن أمين الشرطة طلب منى أن أستقل أية مواصلة أخرى فرفضت لأننى لا أضمن ما يمكن أن يحدث داخله ، وعندها قال لى : إحنا مش شغالين عند أهلك وتركنى أمام الباب .لم يدم إنتظارى طويلا حتى لمحت سيارة أجرة تأتى ناحيتى فأوقفتها وطلبت من السائق أن يوصلنى إلى الموقف ، ولكن أحد الطلاب سبقنى ليجلس بجوار السائق فإضطررت للجلوس بالمقعد الخلفى للسيارة ، وما إن إبتعد السائق قليلا عن باب الكلية حتى وجدت مايقرب من عشرين طالبا قد أحاطوا بالسيارة من جميع الجهات ومعهم هذا العنصر الأمنى المرتدى للثياب المدنية ، ولمحت بيدهم أسلحة بيضاء وأحزمة جلدية وعصى وقاموا بفتح الأبواب الخلفية بعدما أجبروا السائق على التوقف وحاولوا إخراجى عنوة من السيارة إلا أننى تشبثت بمقعدى بقوة وكانوا يتوعدوننى بالقتل بطريقة لم أكن أتوقعها من طلاب يفترض أنهم يتلقون دراستهم فى الجامعة ، وعندها غادر الطالب الآخر السيارة وإستطاع السائق النفاذ من بينهم بصعوبة قبل أن يطلب منى مغادرة السيارة بعد أن تركهم بمسافة كبيرة .تركت السيارة وعدوت بما فيه الكفاية لأبتعد عن مصدر الخطر الذى كاد أن يتكفل بإزهاق روحى قبل ثوان معدودة ، ثم ركبت تاكسى آخر أوصلنى الى مبتغاى ، وعدت سالما إلا من بعض الخدوش البسيطة وكدمات فى قدمى نتيجة لما حدث معى ، ولكنى وجدت نفسى أتسائل .. مالذى جنيته لأتعرض لمثل هذه الإعتداءات ؟؟ ، هل مجرد إختلافى مع الأفكار السائدة أمر يستوجب الإعتداء على ومحاولة قتلى ؟؟!!! .أمر يدعو للحزن عندما أجد هؤلاء الشباب قد غسلت عقولهم بهذه الصورة ليتحولوا إلى إيذاء الغير لمجرد إختلافهم معهم فى بعض وجهات النظر !.أمر يدعو للرثاء أن نجد إحدى جامعاتنا تتحول إلى مؤسسة لتخريج الإرهابيين بكل أنواعهم ! .أمر يبكى ويحزن ويصيب بالإحباط أن نجد أنفسنا مهددين بالقتل .. لا لأننا نقتل .. لا لأننا نسلب أموال الآخرين .. لا لأننا نتعدى حدود حريتنا ... ولكن لأننا نفكر ! .جامعة الأزهر لا تحرك ساكنا عندما يفجر أحد طلابها نفسه أو يندفع لقتل الأبرياء العزل ... ولكن قيامتها تقوم عندما يكون لدى أحد طلابها رأيا حرا جريئا مستقلا ! .اليوم .. واليوم فقط ... أدركت حقيقة التواطؤ الأمنى مع التطرف الدينى فى مصر ، وعرفت جيدا كيف أن النظام يعيش على هذا الإرهاب ووجوده قائم على وجود الجماعات المتطرفة والجامعة المتطرفة أيضا ( الأزهر )... وزواله بالضرورة قرين بزوالهما .
الموقع الفرعي في الحوار المتمدن : عبدالكريم نبيل سليمان http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=64150#

Wednesday, February 28, 2007

نقد المنهج بدون منهج 3من3


سجين البنية الفكرية
لعلّ مصطلح بنية فكرية الذي "تضايق" منه صاحب نص "المظهر والآليات" يعود سببه إلى أنه سجين لهذه البنية الفكرية التي تعرضنا لنقدها في نص "حرب حزب الله" حيث أن إحدى خصائص هذه البنية عدم الدقة في تناول الموضوعات، التعميم، عدم التعاطي مع الواقع كمعطى موضوعي (يتحول الواقع إلى معطى ذهني)، الاعتماد على سلّم معياري ذاتي.
فالسمة المميزة لها الاعتماد على العقل الغرائزي و الانفعالي و يتمظهر ذلك في ما ينتجه من غوغاء حول جلّ المواضيع و ذلك بنفس آليات و منطق الفكر السائد وهذا ما ظهر في النص الذي نتناوله بالتعليق إذ أنه عوضا عن أن يتمسك بنقد ما جاء في نص "حرب حزب الله" اتخذه ذريعة لما يعتقد أنه هجوم على النظام الرأسمالي، و لم لا؟ فالنص بالنسبة له تمجيد للنظام الرأسمالي. فالبنية الفكرية التي لا تتعاطى مع المعطيات الموضوعية كما هي و تعتبر أن التاريخ حلقات متتالية من المؤامرات هي تلك البنية نفسها التي تعرّضنا لها في نصّ "حرب حزب الله". و لنؤكّـد على رأينا هذا بما جاء في نص صاحب المقال "و لا غريب أن يدعم بوش هذا التزييف الإيديولوجي بأن يؤكد (بزلّة لسانه الشهيرة) أن الولايات المتحدة الأمريكية تخوض حربا صليبية جديدة". إن هذه المعلومة تفتقد الدّقة المطلوبة باعتبار أن مصدرها قناة الجزيرة الناطقة باسم هذه البنية بامتياز و هكذا تحوّلت عبارة بوش إلى زلّة لسان شهيرة. إذن فشهرتها تأتي بالضبط من طريقة تعاطي هذه البنية مع تصريحات بوش أو غيره. فهي تطوّع هذا الواقع ليس بدافع الكذب أو التحامل كما يتصور البعض بل لأنّ آلياتها الداخلية تشتغل كذلك. و هو ما وقع بالضبط مع ما أطلق عليه "زلّة لسان". و تحرّك جمهورها بهذه الأساليب من نوع "أمريكا تقوم بحرب صليبية والدليل هو زلة اللسان." كما أنها تصبح (ما أصبح زلة) من وجهة نظر صاحب النص سلاحا بيد بوش يغالط به مواطني أمريكا. إن ذلك مُتأتّ من أن البنية الفكرية التي تعرّضنا لها في نص "حرب حزب الله" تماثل جميع البنى الفكرية حيث تعتقد أن طرق المغالطة المتّبعة داخل المجتمعات الماقبل رأسمالية هي بالضبط نفس الطرق المتبعة للمغالطة داخل المجتمعات الرأسمالية.
فهذه البنية الفكرية تعتقد بأنّ الرئيس في أمريكا يقرّر كل شيء، فالنظام الرأسمالي هو بوش يعني أن هذه البنية تعتقد أن هذا النظام الاجتماعي هو صورة طبق الأصل للنظم الاجتماعية التقليدية.
ولعلّه قد يتأكد لدى صديقنا ممّا ذكرنا في هذا النص أننا نمجد النظام الرأسمالي (لم يعد استبطانا فقط)، لكن ذلك يتأكد من داخل بنيته التقليدية، أما من وجهة نظر التحليل المادي للتاريخ -التي تصنّف المجتمعات وفق معايير موضوعية تحدّدها في الأخير العوامل الاقتصادية- فهي بقولها إن النظام الرأسمالي حلقة متقدمة على جميع الحلقات التي سبقته لا تعني بذلك تمجيدا للنظام الرأسمالي و لا تحقيرا للحلقات الأخرى. والخلاف الرئيسي هو أن النظام الرأسمالي يقول أنه هو الشكل الطبيعي و النهائي لما يجب أن تكون عليه الإنسانية في حين أنه من وجهة نظر التحليل المادي للتاريخ مجرد حلقة من الحلقات. و هو الحلقة الضرورية لبناء الاشتراكية. فالاشتراكية لا يمكن أن تكون إلا وريثا لآخر حلقة توصّلت إليها الإنسانية و ليست وريثا للتخلف الاقتصادي.

البنية المتعالية
جاء في النص المذكور تعليق عمّا فهمه الكاتب من القول "و كل القوى الاجتماعية لا تفعل سوى إعادة إنتاج هذه البنى الفكرية" و هو يتمثّل في القول "بنية متعالية على الواقع" و في وصفها بـ"وحش بنيوي".
إنّ هذه البنية جزء من الواقع وهي في خدمة هذا الواقع وذكرنا أنها تدير حروبا و تنتج كما هائلا من الإنتاج الفكري. والمفارقة أن هذا الإنتاج الفكري يعادي المقاربات العلمية و يحقّر الفلسفة والعلم. فالاشتراكية العلمية قاربت الواقع الموضوعي بالمادية التاريخية وقدمت المعرفة و المقاربة النقيض للمقاربات السائدة (ولو لم يكن كذلك لما تحدثنا عن فكر(نعم عن فكر، وليس خندق) الطبقة العاملة لكن صاحب النص في ما يظهر أنه معادي للمقاربات أصلا إذ يقول "لم يعد من الممكن الخلاص من هذا الوحش البنيوي إلا بفرض مقاربات (فكرية طبعا)....فأي معجزة يمكن أن تقوم بها الموضوعات والمقاربات....".إنه لمن المؤسف أن صاحب هذا القول ليس بإمكانه إقناع "سيادة البرجواية" وكل فقهاء البنية الفكرية التقليدية بعدم مصادرة الفكر الفلسفي وحرية التعبير وحرية الإنتاج الفكري عموما باعتباره لا يشكل خطرا. لكن تاريخ هذه المجتمعات هو تاريخ محاربة الفكر و كل المقاربات النقدية. و قد أسس لذلك أبو حامد الغزالي (السابع ميلادي) بمحاربة كل فكر فلسفي وتكفير علماء الكلام وحرق كتب ابن رشد.
فإن لم يكن للفكر و المقاربات دور في محاربة الأفكار السائدة فلم يقوم الفكر السائد بحربه على الفكر فمئات المفكرين في مصر وليبيا وسوريا و... تقع مصادرة أفكارهم بالتشهير بهم و مطاردتهم واغتيالهم.
إن تحقير دور الفكر و المقاربات و عدم تحديد مهمات فعلية و وفق أولويات للحد من نفوذ هذه البنية الفكرية التي أشرنا لها في مقال "معركة حزب الله" يجسد فعلا عدم قدرة صاحب النص على نقد المنهج وعدم قدرته على القطع مع هذه البنية.

إن هذا العداء لا يبرره سوى ذلك الاندفاع الغريزي و الحقد على النظام الرأسمالي، فإثارة هذه الموضوعات "المواطنة، المدنية" تعتبر إحدى الموضوعات الهامة التي بها يمكن الحد من نفوذ هذه البنية التقليدية على الجماهير و هي فعلا جماهير لأنها تفتقد لهويتها الطبقية، وفقدانها لهذه الهوية يحولها إلى مادة خام لجميع المشعوذين. إن البحث عن الوسائل والإمكانيات المتاحة في الواقع لتتمكن هذه الجماهير من تحديد علاقات بمنظماتها المهنية أو الحزبية بناءا على شروط ومعطيات بديلة عن روابط قبلية أو دينية أو عرفية يعتبر خطوة هامة على طريق إمكانية التعامل مع هذه الجماهير من موقع متقدم. فالقول بأن هذه الجماهير مادة خام للزعيم أو المفتي ... إنما هو إقرار بواقع نعايشه و نعانيه يوميا. وهذا الواقع لن يتغير بمجرد تلاوة آيات الصراع الطبقي و البروليتاريا.
إن معالجة الموضوعات بهذه الشكلية (الصورية) وبشكل كاريكاتوري يعتبر في حد ذاته دليلا على مدى سطوة هذه البنية الفكرية التقليدية.
إن الإقرار بأنه في مجتمعات ما تعتبر الجماهير مادة خاما للزعيم أو المفتي هو إقرار بوضع لا يمكن تجاهله بصياغة جمل عن الصراع الطبقي و البروليتاريا. فإقرار وضع مادي محدد بمعطياته الفعلية (لا الرومانسية) يحدد مهمات فعلية لتحويل ذلك الواقع وهذه المهمات تتحدد في علاقاتها بمهمات أشمل، فالحديث اليوم عن تخليص الجماهير من نفوذ ما يستدعي مقاربة وعلى ضوئها تتحدد المهمات.
إن الحديث اليوم عن المواطنة والمدنية يأتي في علاقة بواقع يمتاز بعدم التمايز الطبقي و بهيمنة فكر قروسطي محصن بشكل جيد و لم يأت في إطار تمجيد النظام الرأسمالي اعتبارا أن هذا النظام ليس أصلا في حاجة لتمجيد و عدم تمجيده لن يضر به كذلك. فالمواطنة و المدنية تعد مكسبا في سياق تاريخي محدد و ليست هبة من النظام الرأسمالي. و لعل الحقوق المدنية التي حققها السود في أمريكا في الستينات من القرن العشرين شاهد تاريخي على ذلك.
فصاحب نص "نقد المنهج" يجهل طرح السؤال المركزي: هل أن طرح قضايا (الديمقراطية،المواطنة المدنية) يعيق-وتحديدا في هذه المجتمعات حاليا- ويسئ لقضية الطبقة العاملة ؟ فالبنية الفكرية التقليدية تعادي طرح هذه المسائل لأن من شأن ذلك إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد.
إن المسائل تـُثار في علاقتها بالمهمات التي يراد إنجازها لا في علاقاتها بالتشهير أو التمجيد.
إن القول بأن نمط الإنتاج الرأسمالي فكك البنى التقليدية و أعاد صياغة كل العلاقات و حرر العبيد ليحولهم إلى عمال، لا يُعَدّ تمجيدا أو تشهيرا بالنظام الرأسمالي، فالبنية الفكرية التقليدية هي التي تجنح للتصنيف والتكفير معتمدة التشهير أو التمجيد.
إن القول بأن علاقات الإنتاج ما قبل رأسمالية علاقات تقوم على روابط غير الروابط الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو ما يسمى بالتحليل المادي للتاريخ الذي استعاض عنه صاحب "نقد المنهج" بمماثلة بين النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي و الأنظمة الماقبل رأسمالية.
إن المواطنة و المجتمع المدني و المؤسسات المدنية هي جملة من الإجراءات للحد من هيمنة الفكر القروسطي على مجتمعاتنا و هي إجراءات تمكن من إيجاد وضع ملائم للتواصل مع منخرطي العديد من المنظمات المهنية والمدنية.
أما التعاطي مع هذه الإجراءات على أساس أنها معيق للثورة الشيوعية التي يتوهم البعض بأنها على الأبواب، فهو يعدّ دفاعا عن الفكر السائد باعتباره كذلك يجنّد كل إمكانياته من قنوات فضائية، أنترنت، مجلات، كتب، أموال، جمعيات خيرية، إلخ... لشنّ حرب على العلمانية باعتبارها من الغرب ومسيحية، وعلى الديمقراطية باعتبارهم سبقوا الغرب بالشورى، وعلى المدنية لأن لديهم الشريعة.
إن تاريخ هذه البنية الفكرية هو تاريخ مقاومة الفلسفة و النقد و العلم.
ليس ذلك فقط فحتى كتب وقصص عادية تصادر و يطارد أصحابها. فإذا كان نظام "البرجوازية" العربية يعد النظام "البرجوازي" المعادي بامتياز لكل المنظمات المهنية و الحقوقية والثقافية و المنابر التي تعتقد أنها ستنتقدها فهذه الأنظمة تشن حروبا استباقية على جميع هذه المنظمات. و قد كانت النتيجة افتقادنا لأي تجربة تنظيمية سواء كانت حزبية أو مهنية للطبقة العاملة بهذا "النظام البرجوازي" العجيب و الذي يفتقد لأي سمة من سمات النظام البرجوازي كما جاء وفقا للمادية التاريخية.
و اعتبارا أن صاحب النص ينظّر للثورة الشيوعية من داخل بنيته الفكرية التقليدية على أساس أن الثورة عمل تآمري يقوم به البعض نيابة عن الآخرين. و بالتالي فهو ليس في حاجة لإدراك أن الطبقة العاملة في حاجة إلى خوض تجربتها و أن تكتسب ثقتها بنفسها و أن تراكم التجارب لما يؤهلها لإنجاز مهماتها و أن تكون لها القدرة على إقناع العديد من الفئات الاجتماعية الأخرى بعدالة القضية التي تخوض النضال في سبيلها. و هذا الإقناع لن يتم بتوجيه جملة من النصائح والمواعظ بل ضمن صيرورة تاريخية تتحدد فيها مهمات دقيقة حسب معطيات موضوعية.
لقد سعى صاحب النص جاهدا لإقناعنا بأن كل الحروب حروب برجوازية تقع فيها تعبئة الطبقة العاملة تحت يافطات (إنها الجدلية فعلا؟) بعد لف و دوران يعترف بالقول "توحّدها الحالي في خطاب قومجي إسلاموي هو التعبير الفاضح لقدرة إيديولوجيا الطبقة المسيطرة علىووالتلون..." هذه هي إيديولوجيتها بالألوان أو بدون ألوان. فالمشكلة ليست في التلون بل في طرح السؤال: "ما العمل أمام قدرة هذه الإيديولوجيا؟" إن الجواب لدى صاحب النص: "الطائفة والتقسيم الطائفي ليسا سوى ذلك التشويه الإيديولوجي لواقع الانقسام الطبقي".
إذن فما هي الإجراءات و المهمات والخطط العملية لإيجاد فرز طبقي بديل عن فرز قبلي أو طائفي أو عرقي؟
فيما يظهر أن الحل بسيط بالقول "إنه ليس غريبا أن يعلن صدام أو زعيم حزب الله ..."
إن هذه "البرجوازيات" تتصدى حتى لمجرد إصلاحات شكلية طالبها بها النظام الرأسمالي العالمي استجابة لمتطلبات وضع عالمي جديد نشأ بعد 1991 (انهيار الاتحاد السوفيتي).
إن الملفت للانتباه فعلا في نص "نقد المنهج" ذلك الحقد على الديمقراطية، المدنيةّ، والذي لا يضاهيه إلا حقد نظام "البرجوازيات" العربية (بمعية القرضاوي وأتباعه) على الديمقراطية والمدنية والمواطنة.
إن الحقوق المدنية و فصل الدين عن الدولة و تحديد ساعات العمل و العديد من المكتسبات لم تكن أبدا هبة من الرأسمالية بل جاءت بتضحيات ملايين العمال و لا زالوا يحيون ذكراها ويعتزّون بذلك. إنّ النظر لها على أساس أنها تمجيد للنظام الرأسمالي يعدّ نفيا للدور الخلاق الذي قامت به الطبقات العاملة في البلدان الرأسمالية.
هل كان على هذه الطبقات العاملة أن لا تطالب بتحسين شروط وجودها ليجد بعض هواة الشيوعية مبررا لثورتهم؟ ذلك للأسف لا يدخل ضمن منطق المادية التاريخية.
إن الحقوق المدنية و الديمقراطية في أنظمة "البرجوازيات" العربية ستكون أداة بيد المفكرين و المثقفين والعمال للإبداع لكي لا يغتالوا في شوارع دمشق والقاهرة وبغداد... و دون أن تتحرك منظمة مدنية واحدة أو مهنية للتشهير بذلك فهذه المنظمات التي يهيمن عليها المشعوذون و الدجالون تحولت إلى أدوات لتمجيد الاستبداد و معاداة الفكر و هو ما نصطلح عليه بإعادة إنتاج التخلف.
إن المدنية و الديمقراطية هي من أجل بناء حاضنة وتوفير شروط دنيا للأجيال القادمة لتتمكن من بناء أدواتها التنظيمية و أحزابها الطبقية. إنها أدوات لنقد مقدسات الطبقات السائدة فالقول بأن مليوني شخص نزلوا في بريطانيا للتشهير بالحرب على العراق في 2003 و أن مليونين نزلوا لكربلاء لإحياء ذكرى الحسين لا يعد تمجيدا لذاك أو تحقيرا للآخر لكن من وجهة نظر المادية التاريخية يمكن القول إن الاشتراكية ليست الوريث الطبيعي للتخلف.
إن الخلط في المفاهيم الواردة في النص المذكور يعد بامتياز النموذج الطاغي في أوساط متبني المادية التاريخية حيث يقدم صورة واقعية للوضع الذهني والمعرفي لهؤلاء و يجسد مدى هيمنة الفكر السائد عليهم.

الخلاصة
إن أصاب نص "نقد المنهج" في شيء فقد أصاب في ثلاثة أشياء:

أوّلا: كونه قدم النموذج السائد في كيفية تعاطي البعض مع المادية التاريخية حيث تتم صناعة واقع آخر مطابق للأفكار القارة بالذهن للتعويض عن العجز الحاصل في التعاطي مع الواقع كمعطى موضوعي بتعقيداته و هو ما جسده هذا النص حيث ماثل بين جميع الحروب و سوى بين جميع المفاهيم حيث تلك السلاسة العجيبة في الانتقال من الاقتصاد إلى السياسة إلى الفلسفة و بأدوات سحرية: "إنه في الواقع، إنه في الحقيقة، ليس غريبا أن،..." .

ثانيا: الإقرار بـ"أننا نرى أنفسنا نقف على أرض أخرى غير التي تقف عليها هذه الوثيقة" (يقصد نص "حرب حزب الله"). فعلا فالأرض التي يقف عليها صديقنا أرض ليس بها تلال وهضاب وجبال و أودية بل أرض منبسطة مثل سطح ماء المحيط بغياب أي رياح.

ثالثا: استشهاده بمقولة جورج لوكاش "لا يمكن فهم العالم إلا ككلّية...." للبرهنة على عالمية النظام الرأسمالي هو بالضبط يضاهي ما يقوله بعض رجال الدين بأنّ القرآن يتحدث عن كروية الأرض. فالمقولة فلسفية وتتعلق بنظرية المعرفة ولا علاقة لها أصلا بالاقتصاد أو بعالمية النظام الرأسمالي (سنخصّص ملحقا لهذا الموضوع).

Friday, February 23, 2007

Extraordinaire

Les musulmans britanniques veulent que l'école s'adapte à la "morale islamique"
LE MONDE 23.02.07 16h06 • Mis à jour le 23.02.07 16h06


es jeunes musulmans doivent pouvoir porter la barbe à l'école, les jeunes filles revêtir le foulard islamique pendant tous les cours, y compris ceux d'éducation physique, les étudiants doivent pouvoir être dispensés des leçons d'éducation sexuelle. Telles sont quelques-unes des demandes faites par le Conseil musulman de Grande-Bretagne (MCB), la principale organisation représentative des 1,6 million de musulmans qui vivent dans le royaume.
.
Dans un document de 72 pages rendu public le 21 février, le MCB demande au gouvernement de permettre aux 400 000 jeunes musulmans d'exprimer plus librement leurs pratiques religieuses dans les écoles publiques, où 96 % d'entre eux étudient. Les autres fréquentent des écoles privées, ou l'une des cinq écoles d'Etat musulmanes. Le MCB regrette que certaines écoles n'aient pas été "réceptives aux revendications légitimes et raisonnables des parents et des enfants musulmans quant à leurs préoccupations dictées par la foi".
Le document du MCB tient à la fois du catalogue de recommandations et du cahier de doléances. Son importance politique découle de l'influence du MCB. Cette organisation, fondée en 1997, chapeaute plus de 400 associations religieuses, culturelles, sociales et professionnelles musulmanes. Elle veut parler au nom de la principale minorité religieuse du Royaume-Uni. Le gouvernement de Tony Blair a fait du MCB son interlocuteur musulman privilégié, notamment depuis les attentats de Londres en juillet 2005.
Le MCB souhaite que garçons et filles puissent exprimer leur fidélité au concept musulman de haya ("pudeur") dans leurs tenues vestimentaires. Les étudiantes doivent pouvoir être coiffées à tout moment du foulard islamique ou revêtir le jilbab, une longue robe qui descend jusqu'aux chevilles. Le MCB ne dit pas un mot du niqab, le voile intégral qui ne laisse apparaître que les yeux. Lors des cours d'éducation physique, le MCB recommande aux élèves de porter un survêtement, et aux jeunes filles de se coiffer du foulard islamique "en le nouant d'une manière sûre".
La mixité doit être exclue des sports collectifs impliquant des contacts physiques, comme le football et le basket-ball. Le MCB demande que les élèves puissent se changer dans des cabines individuelles, et non en groupe, et qu'ils soient dispensés de douche après le sport si celle-ci expose leur corps à la vue des autres enfants, car "l'islam interdit d'être nu devant les autres ou d'apercevoir la nudité des autres". Les leçons de natation enseignées aux garçons et aux filles ensemble sont "inacceptables pour des raisons de décence, aux yeux des parents musulmans".
"PERSPECTIVES MORALES"
Si l'école ne peut séparer les sexes, les enfants doivent pouvoir être dispensés de ces cours. Même chose pour les leçons de danse, cette dernière n'étant pas "une activité normale pour la plupart des familles musulmanes". La danse, souligne le MCB, "n'est pas compatible avec les exigences de la pudeur islamique, car elle peut revêtir des connotations et adresser des messages sexuels".
L'éducation sexuelle, obligatoire dans le secondaire, doit, selon le MCB, être enseignée aux élèves par des professeurs du même sexe. Le recours à des objets ou à des "schémas représentant les organes génitaux" pour illustrer des leçons sur la contraception ou sur les préservatifs est "totalement inapproprié, car encourageant un comportement moralement inacceptable". Les écoles doivent prendre en compte "les perspectives morales islamiques".
La publication du manifeste du MCB a suscité une mise au point du ministère de l'éducation. Ce document, a-t-il déclaré, ne cadre pas avec "le code de conduite" officiel en vigueur dans les écoles publiques, et n'a donc "aucun caractère obligatoire". Un porte-parole du syndicat des chefs d'établissement a critiqué "cette liste de demandes" qui risque de provoquer "un retour de manivelle".





{;

Sunday, February 18, 2007

نقد المنهج بدون منهج 2من3

نتناول بالتعليق الجزء الثاني من النص: المظهر والآليات، نقد المنهج.

جاء في النص المذكور "يمكن اعتبار تعريف حزب الله بأنه حزب طائفي (...) و هو من باب الإقرار بما يقوله الحزب عن نفسه، أي كمدافع عن طائفة ما
لنقرأ ما يقوله هذا الحزب عن نفسه في "ميثاق حزب الله" حيث جاء ما يلي
من نحن وما هي هويتنا؟
أيها المستضعفون الأحرار.. إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره: شخصيات ومؤسسات، أحزاباً ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية.. ولا نستثني أحداً؛ لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع، فيفهموا مقالتنا، ويستوعبوا طروحاتنا، ويتدارسوا مشروعنا. إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم التي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء بهدف تفريغها من مضمونها الرسالي الذي أنعم الله به عليها لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وبهدف استلاب خيراتها وثرواتها واستثمار طاقاتها وكفاءات أبنائها، والسيطرة على كافة شؤونها. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله.. مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة. وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً.. بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام الذي أكمل الله رسالته على يد خاتم أنبيائه محمد ) صلى الله عليه وسلم ( وارتضاه للعالمين ديناً يتعبدون به؛ إذ قال في القرآن الكريم:{اليّوًمّ أّكًمّلًتٍ لّكٍمً دٌينّكٍمً وأّتًمّمًتٍ عّلّيًكٍمً نٌعًمّتٌي ورّضٌيتٍ لّكٍمٍ الإسًلامّ دٌينْا} [المائدة: 3]. ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفليبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرك لمواجهته انطلاقاً من واجب شرعي أساساً، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد. أما ثقافتنا فمنابعها الأساسية: القرآن الكريم، والسنّة المعصومة، والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا.. وهي واضحة غير معقدة وميسرة للجميع دون استثناء، ولا يحتاج إلى تنظير أو فلسفة، بل جل ما تحتاجه هو الالتزام والتطبيق. وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلَنَّ أحد حجمها، وإذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إن كل واحد منا هو جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد، وكل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد والله هو من ورائنا...(من ميثاق حزب الله

ما يقرّه الحزب عن ذاته مما جاء في ميثاقه أنه حزب أمميّ. و هو لا يقر بأنه حزب طائفي كما يتوهم صاحب المقال.
فالوثيقة التي تناولها صاحب المقال بالتعليق لم تتطرق لمسألة موقع حزب الله في المجتمع اللبناني ولم نتناول هذا الموضوع بالبحث أصلا.بل كان موضوع الوثيقة المذكورة "حرب حزب الله" يتناول بالتحليل موضوعا محددا و هو موقع حزب الله في إدارة الحرب. المنهج يفرض علينا تحديد موضوع بذاته وتحليله بمعطياته و لا يفترض أن تكون الأحداث الموضوعية كالحرب في لبنان أو الحرب الأهلية في فلسطين أو في أي مكان آخر مناسبة لإعادة إنتاج مقولات عامة حول الحروب دون تناول ذلك الحدث بذاته بالتحليل.
فلو أن هذه المقولات لديها مردود فعلي لما تمكن حزب الله من كسب كل ذلك الود والتعاطف معه ولما تحولت العمامة إلى رمز لقيادة التحرر الوطني، ليس عند العامّة فقط ولكن لدى أغلبية ساحقة من مدّعي فهم التاريخ فهما ماديا، و هذا ليس في لبنان فقط بل في العديد من بلدان العالم. إن علينا تحديد مواضيع الدعاية و التحليل بدقة و تحديد من نتوجّه لهم بتلك الدعاية. و حين نحدّد لمن نتوجّه علينا إدراك كيفية تعاطي أولئك مع الأحداث. فعدد من هؤلاء يتوهم أنه يتبنى التحليل المادي للتاريخ و لكن،بالنسبة لهم ذلك لا يتعارض مع مباركة الأحزاب الطائفية لقيادة المقاومة ضد الإمبريالية أو قيادة الأحزاب الدينية لحركات التحرر الوطني، و قد أصبحت هذه الظاهرة (ظاهرة مباركة الأحزاب الدينية) أمرا بديهيا لا يتم التساؤل بشأنها أصلا، لماذا؟ لأنها تقاوم أمريكا و الاستعمار.
إن الحديث مع فاقدي الوعي الطبقي بمصطلحات مثل "الحرب طبقية" و بنفس الأسلوب و في كل المناسبات حوّله إلى خطاب ساكن لا يقدم بأي شكل من أشكال الوعي الطبقي.
و أحد هذه النماذج هذا النص الذي نتناوله بالتعليق حيث أنه لا يجهد نفسه للتعاطي مع نص "حرب حزب الله" و ما جاء به من مقولات لنقدها بل يطوع النص إلى مقولاته الجاهزة و الثابتة. وليست له القدرة على المسك بالموضوع بمعطياته الموضوعية على الأرض لتجد تلك المقولات العامة ( من نوع "الطائفة ليست كلا متجانسا"، " حزب الله لا يمكن أن يكون إلا معبرا عن مصالح طبقية"، "التحليل المادي الجدلي عليه أن يبحث في هذه المصالح الطبقية" إلخ...) تجسيدها الفعلي.
و لتقريب الصورة فإنه لا يمكن لأي عالم في الفيزياء إقناع مطالبيه بكيفية صناعة قنبلة نووية باستعراض كل قوانين الفيزياء في مجال الذرة. إن القول مثلا" أن الطائفة ليست كلا متجانسا" فحزب الله ذاته يقرّها ويستمد قوّته من كونها ليست كلا متجانسا.
إن الوهم بأننا امسكنا بتلابيب حزب الله أو أنه بإمكاننا تقليص نفوذه بمجرد الحديث عنه على أنه يمثل مصالح طبقية و ما إلى ذلك يعد بحد ذاته تمويها إيديولوجيا على الذات.
إن سيطرة المقولات الجاهزة الصالحة لكل زمان ومكان دفعت به إلى عدم التعامل مع النص المراد نقده بل إلى صناعة نص من عنده ليتمكن من دحضه حيث يذكر صاحب النص "و الحرب بشكل عام لا يمكن أن تكون خاضعة لبنية فكرية أو مفاهيم فكرية..."
ما جاء بالوثيقة هو التالي "....أما البنية و المرجعيّة الفكريّة لقيادة كلّ هذه الحروب فهي واحدة... فالحرب الحاليّة تعـتبر مشهدا مكرّرا إذا ما اعتبـرنا أنّها تخضع لنـفس البنية الفكريّة و كـلّ المفاهـيم المرتبطة بهذه البنية بالذّات و هي نفس البنية التي تدير هذه الفصول من معركة الشرف والكرامة " فمن الواضح أننا نتحدث عن إدارة الحرب من قبل حزب الله و كيفية إدارته لها. فإدارة الحرب جزء من الحرب ذاتها و جزء من سياسة مديري الحرب و لقد ذكرنا في النص الكيفية التي تدار بها الحروب و التي ترتبط ببنية فكرية محددة فلا يمكن لأي شخص عاقل أن يستنتج من هذا الكلام بأن البنية الفكرية هي التي أنتجت الحرب. و حتى داخل فصول المدارس الابتدائية و رياض الأطفال وفي مناهج التعليم الديني يقرّون بأن للحرب أساسا ماديا. فصاحب النص يفتعل قضية للاستنجاد بمقولات عامة ويمارس القفز عاليا بعبارات من نوع "...إلى واقع مصالح مادية هي مصالح البرجوازيات المتناحرة ... و هي في ذلك تجسيد للميكانزمات التي يشتغل النظام الرأسمالي بها" لكن كيف ذلك؟ ومن هي هذه البرجوازيات المتناحرة في لبنان؟ و كيف يتمّ تجسيد هذه الميكانزمات؟ و ما موقع حزب الله من هذه "البرجوازيات" التي يتحدث عنها؟ وما هو موقع البروليتاريا (التي هي موضوع تدمير موضوعي وذاتي فقط حسب صاحب المقال) في هذه الحروب؟
إن صاحب النص لا يسائل نفسه لماذا تلجأ هذه "البرجوازيات" في إدارتها للحروب إلى بنية فكرية قروسطية، فبالنسبة له الإجابة بسيطة للغاية: للتمويه الإيديولوجي. و لم يكون التمويه الإيديولوجي بالفكر القروسطي بالذات؟

الانحراف لصالح المنهج المثالي؟
جاء في النص "المنهج المثالي الذي يعتبر الفكر محددا للواقع أي أنه يحاول فهم الواقع من خلال الأفكار التي ينتجها"
إن الخلاف بين التصور المادّي للتاريخ والتصور المثالي هو حول أسبقية الفكر على المادة أو المادة على الفكر و ليس حول موضوع هل أن الواقع يحدد الفكر أو أن الفكر يحدد الواقع. فالتصور المادي للتاريخ يقرّ بأسبقية المادة ليس نكاية بالتصور المثالي بل الأمر متعلق بموضوعية الأشياء المراد بحثها أو درسها. ونعني بذلك أن العالم الخارجي موجود بشكل موضوعي ومستقل عن الإرادة الذاتية و الخلاف الأساسي بين التصور المادي و المثالي. هذه بالضبط مسألة موضوعية الواقع و نعني بذلك من وجهة نظر الماديين: الواقع مستقل عن الذات، عن الإرادة، في حين أن المثاليين لا يتعاطون معه كواقع مستقل بقدر ما هو واقع منتج ذاتيا.
أما اختزال اختلاف المادية مع المثالية في موضوع الفكر من خلال الواقع أو الواقع من خلال الفكر (أي واقع؟ فالمشكلة في تحديد الواقع) فللمثالي واقعه كذلك. إن اختزال مقولات فلسفية على هذه الصورة من التبسيط يضاهي التعاطي بنفس الكيفية مع شخص حقيقي ومع تمثال له من الجبس (وهو ما يحدث فعلا في البنى الفكرية التقليدية).
إن الفكرة القائلة بفهم الواقع من خلال الأفكار أملتها ضرورة تبسيط موضوع معقّد ليصبح في متناول الجميع و لتقريب صورة التصور المادي للتاريخ من أذهان الناشئة لكن الحقيقة أن هذه المسألة (علاقة الواقع بالفكر والفكر بالواقع) على غاية من التعقيد في المجال المعرفي و الفلسفي.
إن القول بأن لجميع الأفكار أساس مادي اعتراف من قبل التصور المادي للتاريخ للعلاقة المعقدة بين البنية التّحتية و البنية الفوقية. فالبنية الفوقية لديها أساس مادي يعني بالضبط أن لهذه البنية الفوقية نوعا ما من الاستقلال عن البنية التحتية و إن للبنية الفوقية تأثيرا على البنية التحتية (أما مدى هذا التأثير و كيفيته فهو أمر بحث فيه العديد من المهتمين بنظرية المعرفة و منهم بالخصوص جورج لوكاش) و هذا ما حدا بماركس إلى القول "إنه في آخر التحليل يكون العامل الاقتصادي هو المحدّد."
إن الماركسية في حد ذاتها جزء من البنية الفوقية باعتبارها إنتاجا معرفيا أنتج أدواته المعرفية و أدواته الخاصة للتعاطي مع التاريخ و الواقع و باعتبارها فلسفة للتغيير و ليست مجرد أداة للتفسير أو الفهم. فالقول بأنها فلسفة للتغيير إقرار بدور البنية الفوقية في تأثيرها على البنية التحتية.
إن فهم علاقة البنية أو البني الفكرية بالبنية التّحتية ليس بالأمر الهين الذي يمكن اختزاله بنظرية الانعكاس (الأفكار انعكاس للواقع) و نحن نستغرب من كون صاحب النص استشهد بجورج لوكاش الذي كان أول من أسس لدحض هذا التبسيط و بالتحديد في الكتاب الذي ذكره صاحب النص: "التاريخ و الوعي الطبقي"، فعلى مدى ما يزيد على الستين صفحة تناول جورج لوكاش هذا الموضوع بالذات وبدقة جعلت العديد من الفلاسفة الماركسيين في عصره ينعتونه بالمثالي.
إن مقال "حرب حزب الله" تناول في جزء دور البنية الفكرية التقليدية في الإبقاء على بنية اجتماعية ما قبل رأسمالية و هذه البنية الفكرية التقليدية تقيم الدليل على قدرتها على إخضاع ملايين البشر لتصوراتها وقدرتها على تطوير نفسها لمحاربة خصومها وفرض أجندتها و هذه القوة لا يمكن تفسيرها بقدرة إيديولوجيا الطبقة المسيطرة على التلون والتمطط كما ذكر صاحب النص بل باستنادها على بنية اجتماعية تقليدية ما قبل رأسمالية.
إننا نلاحظ ونعايش يوميا تعاطي مختلف البنى الفكرية مع الظواهر الاجتماعية، إذ أن البنى التي أساسها المادي علاقات إنتاج رأسمالية تتعاطى بشكل يختلف نوعيا عن الكيفية التي تتعاطى معها بنى فكرية أساسها بنى ما قبل رأسمالية. و لعل المثال الدال على ذلك حدث ما عرف بالرسوم المسيئة فقد هب ملايين الناس في مظاهرات صاخبة للتشهير و جُوبه شكل هذا التعاطي بنوع من الاشمئزاز في مجتمعات قطعت مع هذا النمط من التفكير التقليدي. فهؤلاء المتظاهرون لا تستفزّهم الإساءة التي يتعرضون لها يوميا ولا يخرجون في مظاهرات للتشهير بذلك.
إن تفسير هذا الاختلاف في التعاطي باعتباره مجرد "تشويه إيديولوجي لواقع الانقسام الطبقي"يعدّ صناعة ذهنية بحتة لواقع بديل عن الواقع الموضوعي.
كان على صاحب المقال أن يجهد نفسه بالاعتماد على "منهج غير منحرف" ليقدّم لنا حقيقة الحرب ويكشف لنا "الرداء الإيديولوجي الذي تلبسه وقائعها ومصائرها وأهدافها" باعتبار أن نص "حرب حزب الله" لم يطرح على نفسه أصلا هذه المهمة وبالتالي فهو لا يمكن اعتباره معيقا لفهمها.
"...بينما الواقع هو أن الأنظمة العربية بما فيها النظام اللبناني لا تعدو أن تكون أنظمة سيادة البرجوازية" هل أنه فعلا يكفي أن نقول "إن الواقع كذا" ليصبح الواقع فعلا كذلك؟ إن صاحب النص يتحدث عن واقع ذهني لا عن الواقع الموضوعي المستقل عما نريده.
فأي معايير اعتمد صاحب النص للحديث عن البرجوازية؟ و هل أن مصطلح برجوازية يقع استعماله كمصطلح من مصطلحات علم الاقتصاد السياسي الماركسي أم كما يستعمله العامة (لديهم أموال وأملاك كثيرة)؟ وأي معايير اعتمدت للحديث عن سيادة البرجوازية؟ اعتبارا أن سيادة البرجوازية تمارَس (بفتح الراء) عبر شكل الدولة.
فلنفترض لبرهة أن النظام العربي هو نظام سيادة البرجوازية، فكيف لنا أن نفهم كل سلوكيات هذه البرجوازية في ممارسة سيادتها؟ فممارسة هذه البرجوازيات المفترضة لسيادتها أو للسلطة لا تمتّ بصلة و لا تلتقي و لو في نقطة واحدة مع مثيلاتها من البرجوازيات عبر التاريخ (الماضي و الحاضر).
فالبرجوازية تمارس سيادتها في أوروبا – مثلا – عبر دولة مركزية و وفق نظام سياسي له آلياته المحددة و الواضحة عبر دساتير تعكس موازين قوى بين مختلف الطبقات والفئات و يقع تسيير شؤون المجتمع عبر قوانين وضعية غير ثابتة. و بشكل مكثف نقول إن البرجوازية تمارس نفوذها الطبقي عبر مؤسسات، ولهذه المؤسسات القول الفصل في إدارة كل التناقضات الطبقية سواء كان ذلك فيما بين الطبقات السائدة أو فيما بين الطبقات السائدة و الطبقة العاملة. أما سيادة البرجوازية لدينا فهي عبر رؤساء مدى الحياة يورّثون الحكم لأبنائهم و الدولة غنيمة وشأن خاص بالعائلة. فالدستور من وحي الحاكم ومن اقتراحه وحتى جنسية المواطن ملك للزعيم، فالزعيم يمارس سلطانه عبر أعيان القبائل والعشائر و لعل من أبرز الأمثلة الدالة أن حسين كامل صهر صدام حسين (زوج ابنته) بعد عودته من الأردن، و ذلك بعد فراره إثر خلاف، نفّذت عشيرته فيه حكم الإعدام باعتباره خائنا فعقاب خيانة الوطن من مهام العشيرة (عاشت سيادة البرجوازية).
ولنتأكد من سيادة هذه البرجوازية ذات الطراز الخاص يمكن قراءة دساتير عديد البلدان (لبنان، مصر...) إن صاحب النص يعالج هذه المسائل باستعمال "ليس غريبا أن صدام... ليس غريبا أن نصر الله" لكن ذلك يصبح فعلا غريبا (مع العلم أننا نستعمل هنا غريبا بمنطق التاريخ) إذا ما كانت هذه هي سيادة البرجوازية. قد تكون برجوازية ولكن لم تنتج بعد المفاهيم المعرفية للإحاطة بخصائص هذه البرجوازية الغريبة.
إننا نرى صديقنا ينتفض من هذه المقارنة بين سيادتين مختلفتين نوعيا في الفضاء و لكن لا بأس من مقارنة أخرى: فالبرجوازية تسعى بكل الوسائل لتوحيد أوروبا وتؤهل اقتصاديات عديد البلدان (رومانيا، بولونيا،...) لهذا الغرض، أما سيادة البرجوازية لدينا فهي تسعى إلى تحويل العراق إلى ثلاثة و الصومال والسودان كذلك وبلدان أخرى كثيرة على الطريق.
إن كل هذه المواضيع تعتبر بسيطة من وجهة نظر البنية الفكرية التي تحدثنا عنها في نص "حرب حزب الله" و التي من زعمائها القرضاوي و فيصل القاسم اللذين يعتبران أن ما ألمّ بهذه المجتمعات إنما تم بفعل المتآمرين على أمة العرب و الإسلام.
أما من كيّفوا الماركسية لبنيتهم الفكرية ويتعاطون مع الفلسفة الماركسية كتواصل طبيعي لبنية فكرية تقليدية وليس كمعرفة للقطع مع هذه البنية، فإنهم يتوصلون إلى نفس النتائج حيث تصبح هذه المصائب من فعل البرجوازية و يافطاتها ومغالطاتها. فكلا الطرفين الإسلامي و"المادي" يعتقد أنه شخّص الواقع وظفر بما يريد ولكن مع فارق ذي أهمية: إن الطرف الإسلامي مصيب في تشخيصه أكثر من الطرف الثاني الذي ينهل من نفس البنية الفكرية معتقدا أنه يقاومها.
فالماركسية كنظرية للتغيير الثوري و كفلسفة لفهم الكون استمدت قوتها تاريخيا من قدرتها على استيعاب كل معارف عصرها فكانت في نفس الوقت تواصلا و قطعا مع كل المعارف و اعتمدت على إنتاج غزير من المقاربات في ميادين الفلسفة، في الاقتصاد السياسي و العلوم السياسية...
لم تعتمد الماركسية في أي ميدان من ميادين المعرفة أو السياسة على المسلّمات أو الإيحاءات ولم تتساهل قطّ حيال جميع أنواع الثرثرة الثورية.