سجين البنية الفكرية
لعلّ مصطلح بنية فكرية الذي "تضايق" منه صاحب نص "المظهر والآليات" يعود سببه إلى أنه سجين لهذه البنية الفكرية التي تعرضنا لنقدها في نص "حرب حزب الله" حيث أن إحدى خصائص هذه البنية عدم الدقة في تناول الموضوعات، التعميم، عدم التعاطي مع الواقع كمعطى موضوعي (يتحول الواقع إلى معطى ذهني)، الاعتماد على سلّم معياري ذاتي.
فالسمة المميزة لها الاعتماد على العقل الغرائزي و الانفعالي و يتمظهر ذلك في ما ينتجه من غوغاء حول جلّ المواضيع و ذلك بنفس آليات و منطق الفكر السائد وهذا ما ظهر في النص الذي نتناوله بالتعليق إذ أنه عوضا عن أن يتمسك بنقد ما جاء في نص "حرب حزب الله" اتخذه ذريعة لما يعتقد أنه هجوم على النظام الرأسمالي، و لم لا؟ فالنص بالنسبة له تمجيد للنظام الرأسمالي. فالبنية الفكرية التي لا تتعاطى مع المعطيات الموضوعية كما هي و تعتبر أن التاريخ حلقات متتالية من المؤامرات هي تلك البنية نفسها التي تعرّضنا لها في نصّ "حرب حزب الله". و لنؤكّـد على رأينا هذا بما جاء في نص صاحب المقال "و لا غريب أن يدعم بوش هذا التزييف الإيديولوجي بأن يؤكد (بزلّة لسانه الشهيرة) أن الولايات المتحدة الأمريكية تخوض حربا صليبية جديدة". إن هذه المعلومة تفتقد الدّقة المطلوبة باعتبار أن مصدرها قناة الجزيرة الناطقة باسم هذه البنية بامتياز و هكذا تحوّلت عبارة بوش إلى زلّة لسان شهيرة. إذن فشهرتها تأتي بالضبط من طريقة تعاطي هذه البنية مع تصريحات بوش أو غيره. فهي تطوّع هذا الواقع ليس بدافع الكذب أو التحامل كما يتصور البعض بل لأنّ آلياتها الداخلية تشتغل كذلك. و هو ما وقع بالضبط مع ما أطلق عليه "زلّة لسان". و تحرّك جمهورها بهذه الأساليب من نوع "أمريكا تقوم بحرب صليبية والدليل هو زلة اللسان." كما أنها تصبح (ما أصبح زلة) من وجهة نظر صاحب النص سلاحا بيد بوش يغالط به مواطني أمريكا. إن ذلك مُتأتّ من أن البنية الفكرية التي تعرّضنا لها في نص "حرب حزب الله" تماثل جميع البنى الفكرية حيث تعتقد أن طرق المغالطة المتّبعة داخل المجتمعات الماقبل رأسمالية هي بالضبط نفس الطرق المتبعة للمغالطة داخل المجتمعات الرأسمالية.
فهذه البنية الفكرية تعتقد بأنّ الرئيس في أمريكا يقرّر كل شيء، فالنظام الرأسمالي هو بوش يعني أن هذه البنية تعتقد أن هذا النظام الاجتماعي هو صورة طبق الأصل للنظم الاجتماعية التقليدية.
ولعلّه قد يتأكد لدى صديقنا ممّا ذكرنا في هذا النص أننا نمجد النظام الرأسمالي (لم يعد استبطانا فقط)، لكن ذلك يتأكد من داخل بنيته التقليدية، أما من وجهة نظر التحليل المادي للتاريخ -التي تصنّف المجتمعات وفق معايير موضوعية تحدّدها في الأخير العوامل الاقتصادية- فهي بقولها إن النظام الرأسمالي حلقة متقدمة على جميع الحلقات التي سبقته لا تعني بذلك تمجيدا للنظام الرأسمالي و لا تحقيرا للحلقات الأخرى. والخلاف الرئيسي هو أن النظام الرأسمالي يقول أنه هو الشكل الطبيعي و النهائي لما يجب أن تكون عليه الإنسانية في حين أنه من وجهة نظر التحليل المادي للتاريخ مجرد حلقة من الحلقات. و هو الحلقة الضرورية لبناء الاشتراكية. فالاشتراكية لا يمكن أن تكون إلا وريثا لآخر حلقة توصّلت إليها الإنسانية و ليست وريثا للتخلف الاقتصادي.
البنية المتعالية
جاء في النص المذكور تعليق عمّا فهمه الكاتب من القول "و كل القوى الاجتماعية لا تفعل سوى إعادة إنتاج هذه البنى الفكرية" و هو يتمثّل في القول "بنية متعالية على الواقع" و في وصفها بـ"وحش بنيوي".
إنّ هذه البنية جزء من الواقع وهي في خدمة هذا الواقع وذكرنا أنها تدير حروبا و تنتج كما هائلا من الإنتاج الفكري. والمفارقة أن هذا الإنتاج الفكري يعادي المقاربات العلمية و يحقّر الفلسفة والعلم. فالاشتراكية العلمية قاربت الواقع الموضوعي بالمادية التاريخية وقدمت المعرفة و المقاربة النقيض للمقاربات السائدة (ولو لم يكن كذلك لما تحدثنا عن فكر(نعم عن فكر، وليس خندق) الطبقة العاملة لكن صاحب النص في ما يظهر أنه معادي للمقاربات أصلا إذ يقول "لم يعد من الممكن الخلاص من هذا الوحش البنيوي إلا بفرض مقاربات (فكرية طبعا)....فأي معجزة يمكن أن تقوم بها الموضوعات والمقاربات....".إنه لمن المؤسف أن صاحب هذا القول ليس بإمكانه إقناع "سيادة البرجواية" وكل فقهاء البنية الفكرية التقليدية بعدم مصادرة الفكر الفلسفي وحرية التعبير وحرية الإنتاج الفكري عموما باعتباره لا يشكل خطرا. لكن تاريخ هذه المجتمعات هو تاريخ محاربة الفكر و كل المقاربات النقدية. و قد أسس لذلك أبو حامد الغزالي (السابع ميلادي) بمحاربة كل فكر فلسفي وتكفير علماء الكلام وحرق كتب ابن رشد.
فإن لم يكن للفكر و المقاربات دور في محاربة الأفكار السائدة فلم يقوم الفكر السائد بحربه على الفكر فمئات المفكرين في مصر وليبيا وسوريا و... تقع مصادرة أفكارهم بالتشهير بهم و مطاردتهم واغتيالهم.
إن تحقير دور الفكر و المقاربات و عدم تحديد مهمات فعلية و وفق أولويات للحد من نفوذ هذه البنية الفكرية التي أشرنا لها في مقال "معركة حزب الله" يجسد فعلا عدم قدرة صاحب النص على نقد المنهج وعدم قدرته على القطع مع هذه البنية.
إن هذا العداء لا يبرره سوى ذلك الاندفاع الغريزي و الحقد على النظام الرأسمالي، فإثارة هذه الموضوعات "المواطنة، المدنية" تعتبر إحدى الموضوعات الهامة التي بها يمكن الحد من نفوذ هذه البنية التقليدية على الجماهير و هي فعلا جماهير لأنها تفتقد لهويتها الطبقية، وفقدانها لهذه الهوية يحولها إلى مادة خام لجميع المشعوذين. إن البحث عن الوسائل والإمكانيات المتاحة في الواقع لتتمكن هذه الجماهير من تحديد علاقات بمنظماتها المهنية أو الحزبية بناءا على شروط ومعطيات بديلة عن روابط قبلية أو دينية أو عرفية يعتبر خطوة هامة على طريق إمكانية التعامل مع هذه الجماهير من موقع متقدم. فالقول بأن هذه الجماهير مادة خام للزعيم أو المفتي ... إنما هو إقرار بواقع نعايشه و نعانيه يوميا. وهذا الواقع لن يتغير بمجرد تلاوة آيات الصراع الطبقي و البروليتاريا.
إن معالجة الموضوعات بهذه الشكلية (الصورية) وبشكل كاريكاتوري يعتبر في حد ذاته دليلا على مدى سطوة هذه البنية الفكرية التقليدية.
إن الإقرار بأنه في مجتمعات ما تعتبر الجماهير مادة خاما للزعيم أو المفتي هو إقرار بوضع لا يمكن تجاهله بصياغة جمل عن الصراع الطبقي و البروليتاريا. فإقرار وضع مادي محدد بمعطياته الفعلية (لا الرومانسية) يحدد مهمات فعلية لتحويل ذلك الواقع وهذه المهمات تتحدد في علاقاتها بمهمات أشمل، فالحديث اليوم عن تخليص الجماهير من نفوذ ما يستدعي مقاربة وعلى ضوئها تتحدد المهمات.
إن الحديث اليوم عن المواطنة والمدنية يأتي في علاقة بواقع يمتاز بعدم التمايز الطبقي و بهيمنة فكر قروسطي محصن بشكل جيد و لم يأت في إطار تمجيد النظام الرأسمالي اعتبارا أن هذا النظام ليس أصلا في حاجة لتمجيد و عدم تمجيده لن يضر به كذلك. فالمواطنة و المدنية تعد مكسبا في سياق تاريخي محدد و ليست هبة من النظام الرأسمالي. و لعل الحقوق المدنية التي حققها السود في أمريكا في الستينات من القرن العشرين شاهد تاريخي على ذلك.
فصاحب نص "نقد المنهج" يجهل طرح السؤال المركزي: هل أن طرح قضايا (الديمقراطية،المواطنة المدنية) يعيق-وتحديدا في هذه المجتمعات حاليا- ويسئ لقضية الطبقة العاملة ؟ فالبنية الفكرية التقليدية تعادي طرح هذه المسائل لأن من شأن ذلك إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد.
إن المسائل تـُثار في علاقتها بالمهمات التي يراد إنجازها لا في علاقاتها بالتشهير أو التمجيد.
إن القول بأن نمط الإنتاج الرأسمالي فكك البنى التقليدية و أعاد صياغة كل العلاقات و حرر العبيد ليحولهم إلى عمال، لا يُعَدّ تمجيدا أو تشهيرا بالنظام الرأسمالي، فالبنية الفكرية التقليدية هي التي تجنح للتصنيف والتكفير معتمدة التشهير أو التمجيد.
إن القول بأن علاقات الإنتاج ما قبل رأسمالية علاقات تقوم على روابط غير الروابط الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو ما يسمى بالتحليل المادي للتاريخ الذي استعاض عنه صاحب "نقد المنهج" بمماثلة بين النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي و الأنظمة الماقبل رأسمالية.
إن المواطنة و المجتمع المدني و المؤسسات المدنية هي جملة من الإجراءات للحد من هيمنة الفكر القروسطي على مجتمعاتنا و هي إجراءات تمكن من إيجاد وضع ملائم للتواصل مع منخرطي العديد من المنظمات المهنية والمدنية.
أما التعاطي مع هذه الإجراءات على أساس أنها معيق للثورة الشيوعية التي يتوهم البعض بأنها على الأبواب، فهو يعدّ دفاعا عن الفكر السائد باعتباره كذلك يجنّد كل إمكانياته من قنوات فضائية، أنترنت، مجلات، كتب، أموال، جمعيات خيرية، إلخ... لشنّ حرب على العلمانية باعتبارها من الغرب ومسيحية، وعلى الديمقراطية باعتبارهم سبقوا الغرب بالشورى، وعلى المدنية لأن لديهم الشريعة.
إن تاريخ هذه البنية الفكرية هو تاريخ مقاومة الفلسفة و النقد و العلم.
ليس ذلك فقط فحتى كتب وقصص عادية تصادر و يطارد أصحابها. فإذا كان نظام "البرجوازية" العربية يعد النظام "البرجوازي" المعادي بامتياز لكل المنظمات المهنية و الحقوقية والثقافية و المنابر التي تعتقد أنها ستنتقدها فهذه الأنظمة تشن حروبا استباقية على جميع هذه المنظمات. و قد كانت النتيجة افتقادنا لأي تجربة تنظيمية سواء كانت حزبية أو مهنية للطبقة العاملة بهذا "النظام البرجوازي" العجيب و الذي يفتقد لأي سمة من سمات النظام البرجوازي كما جاء وفقا للمادية التاريخية.
و اعتبارا أن صاحب النص ينظّر للثورة الشيوعية من داخل بنيته الفكرية التقليدية على أساس أن الثورة عمل تآمري يقوم به البعض نيابة عن الآخرين. و بالتالي فهو ليس في حاجة لإدراك أن الطبقة العاملة في حاجة إلى خوض تجربتها و أن تكتسب ثقتها بنفسها و أن تراكم التجارب لما يؤهلها لإنجاز مهماتها و أن تكون لها القدرة على إقناع العديد من الفئات الاجتماعية الأخرى بعدالة القضية التي تخوض النضال في سبيلها. و هذا الإقناع لن يتم بتوجيه جملة من النصائح والمواعظ بل ضمن صيرورة تاريخية تتحدد فيها مهمات دقيقة حسب معطيات موضوعية.
لقد سعى صاحب النص جاهدا لإقناعنا بأن كل الحروب حروب برجوازية تقع فيها تعبئة الطبقة العاملة تحت يافطات (إنها الجدلية فعلا؟) بعد لف و دوران يعترف بالقول "توحّدها الحالي في خطاب قومجي إسلاموي هو التعبير الفاضح لقدرة إيديولوجيا الطبقة المسيطرة علىووالتلون..." هذه هي إيديولوجيتها بالألوان أو بدون ألوان. فالمشكلة ليست في التلون بل في طرح السؤال: "ما العمل أمام قدرة هذه الإيديولوجيا؟" إن الجواب لدى صاحب النص: "الطائفة والتقسيم الطائفي ليسا سوى ذلك التشويه الإيديولوجي لواقع الانقسام الطبقي".
إذن فما هي الإجراءات و المهمات والخطط العملية لإيجاد فرز طبقي بديل عن فرز قبلي أو طائفي أو عرقي؟
فيما يظهر أن الحل بسيط بالقول "إنه ليس غريبا أن يعلن صدام أو زعيم حزب الله ..."
إن هذه "البرجوازيات" تتصدى حتى لمجرد إصلاحات شكلية طالبها بها النظام الرأسمالي العالمي استجابة لمتطلبات وضع عالمي جديد نشأ بعد 1991 (انهيار الاتحاد السوفيتي).
إن الملفت للانتباه فعلا في نص "نقد المنهج" ذلك الحقد على الديمقراطية، المدنيةّ، والذي لا يضاهيه إلا حقد نظام "البرجوازيات" العربية (بمعية القرضاوي وأتباعه) على الديمقراطية والمدنية والمواطنة.
إن الحقوق المدنية و فصل الدين عن الدولة و تحديد ساعات العمل و العديد من المكتسبات لم تكن أبدا هبة من الرأسمالية بل جاءت بتضحيات ملايين العمال و لا زالوا يحيون ذكراها ويعتزّون بذلك. إنّ النظر لها على أساس أنها تمجيد للنظام الرأسمالي يعدّ نفيا للدور الخلاق الذي قامت به الطبقات العاملة في البلدان الرأسمالية.
هل كان على هذه الطبقات العاملة أن لا تطالب بتحسين شروط وجودها ليجد بعض هواة الشيوعية مبررا لثورتهم؟ ذلك للأسف لا يدخل ضمن منطق المادية التاريخية.
إن الحقوق المدنية و الديمقراطية في أنظمة "البرجوازيات" العربية ستكون أداة بيد المفكرين و المثقفين والعمال للإبداع لكي لا يغتالوا في شوارع دمشق والقاهرة وبغداد... و دون أن تتحرك منظمة مدنية واحدة أو مهنية للتشهير بذلك فهذه المنظمات التي يهيمن عليها المشعوذون و الدجالون تحولت إلى أدوات لتمجيد الاستبداد و معاداة الفكر و هو ما نصطلح عليه بإعادة إنتاج التخلف.
إن المدنية و الديمقراطية هي من أجل بناء حاضنة وتوفير شروط دنيا للأجيال القادمة لتتمكن من بناء أدواتها التنظيمية و أحزابها الطبقية. إنها أدوات لنقد مقدسات الطبقات السائدة فالقول بأن مليوني شخص نزلوا في بريطانيا للتشهير بالحرب على العراق في 2003 و أن مليونين نزلوا لكربلاء لإحياء ذكرى الحسين لا يعد تمجيدا لذاك أو تحقيرا للآخر لكن من وجهة نظر المادية التاريخية يمكن القول إن الاشتراكية ليست الوريث الطبيعي للتخلف.
إن الخلط في المفاهيم الواردة في النص المذكور يعد بامتياز النموذج الطاغي في أوساط متبني المادية التاريخية حيث يقدم صورة واقعية للوضع الذهني والمعرفي لهؤلاء و يجسد مدى هيمنة الفكر السائد عليهم.
الخلاصة
إن أصاب نص "نقد المنهج" في شيء فقد أصاب في ثلاثة أشياء:
أوّلا: كونه قدم النموذج السائد في كيفية تعاطي البعض مع المادية التاريخية حيث تتم صناعة واقع آخر مطابق للأفكار القارة بالذهن للتعويض عن العجز الحاصل في التعاطي مع الواقع كمعطى موضوعي بتعقيداته و هو ما جسده هذا النص حيث ماثل بين جميع الحروب و سوى بين جميع المفاهيم حيث تلك السلاسة العجيبة في الانتقال من الاقتصاد إلى السياسة إلى الفلسفة و بأدوات سحرية: "إنه في الواقع، إنه في الحقيقة، ليس غريبا أن،..." .
ثانيا: الإقرار بـ"أننا نرى أنفسنا نقف على أرض أخرى غير التي تقف عليها هذه الوثيقة" (يقصد نص "حرب حزب الله"). فعلا فالأرض التي يقف عليها صديقنا أرض ليس بها تلال وهضاب وجبال و أودية بل أرض منبسطة مثل سطح ماء المحيط بغياب أي رياح.
ثالثا: استشهاده بمقولة جورج لوكاش "لا يمكن فهم العالم إلا ككلّية...." للبرهنة على عالمية النظام الرأسمالي هو بالضبط يضاهي ما يقوله بعض رجال الدين بأنّ القرآن يتحدث عن كروية الأرض. فالمقولة فلسفية وتتعلق بنظرية المعرفة ولا علاقة لها أصلا بالاقتصاد أو بعالمية النظام الرأسمالي (سنخصّص ملحقا لهذا الموضوع).
No comments:
Post a Comment