Sunday, January 28, 2007

نقد المنهج بدون منهج 1من3



مقدمة

نتناول بالتعليق في هذا المقال النص المعنون : "الحرب في لبنان : المظهر و الآليات (نقد المنهج) "
يوحي العنوان و خصوصا لفظة "منهج" بكثير من الطمأنينة وذلك إذا لم نختلف حول المقصود من المنهج. فنقد منهج يستدعي بالضرورة الاعتماد على منهج. فالمنهج باختصار شديد هو مجموعة "التقنيات" أو الآليّات والطرق المعتمدة للإحاطة بإشكالية محدّدة لدراستها. إن المنهج لن يكون ذا فائدة إذا لم يقع تحديد الإشكالية بالدقة المطلوبة. إن تحديد الإشكالية بحدّ ذاته على علاقة وثيقة بدرجة التملّك من المنهج. والدليل على تملّك المنهج يتمظهر في الكيفية التي تطرح بها الإشكالية وطرق معالجتها. فأي منهج اعتمد صاحب النص المذكور؟ و هل وفّق في الاعتماد على المنهج الذي صرح باعتماده؟ و هل فعلا اعتمد منهج المادية الجدلية والمادية التاريخية ؟ إن تناولنا بالتعليق للنص المذكور سيمكّننا من الإجابة على هذه الأسئلة.

سيادة النظام الرأسمالي

نتناول بالتّعليق الجزء الأوّل من النص الذي شكل ظاهريا مدخلا عاما لبقية النص و قد اجتهدنا في البحث عن الرابط بين المدخل وبقية النص لكن دون جدوى حيث أن الرابط اقتصر على استعمال جملة "وبهذا الصدد" و أعني بذلك أن ما جاء بعد المدخل لم يكن تدقيقا وتخصيصا لجملة المسلمات و"الحقائق" التي ذكرت.
جاء في النص " الحقيقة أنه و بصيرورة النظام الرأسمالي نظاما سائدا..." هل علينا أن نسلّم بهذه الحقيقة؟ ووفق أي دراسة اعتمدت المادية التاريخية تمّ إقرار هذه الحقيقة؟ هل نسلّم بها على أنها أصبحت معطى بديهي ؟
إن صاحب النص انطلق من إحدى البديهيات أو المسلّمات لديه دون أن يكلّف نفسه عناء إحالتنا إلى مرجع أو بحث أو معطيات تجعلنا نتعاطى إيجابيا مع هذه "الحقيقة" . فلا المادية الجدلية ولا المادية التاريخية انطلقتا من "حقائق" بل من تحليل وتدقيق واستنتاج للوصول إلى حقائق موضوعية و هذه الحقائق الموضوعية بدورها ليست مطلقة بل ترتبط بجملة من الشروط المادية.
إن لصاحب النص التباسات عديدة حول مفهوم النظام الرأسمالي وبالتالي حول سيادة هذا النظام . فماذا يقصد بالنظام الرأسمالي الذي ساد؟ فإن كان يتحدث عن " النظام الرأسمالي" الذي تناوله ماركس بالتحليل في كتابه رأس المال، فهذا النظام ليس بسائد. ليس ذلك فقط فماركس لم يتناول بالبحث في "رأس المال" النظام الرأسمالي بل حلّل نمط الإنتاج الرأسمالي mode de production capitaliste . إذن فوفق المعايير الماركسية فإن هذا النمط من الإنتاج سائد في عديد الأماكن من أوروبا: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا... ومن أمريكا الشمالية وبعض مناطق آسيا. إن نمط الإنتاج الرأسمالي سائد في هذه الأماكن وليس محلّ جدل بين مختلف مدارس علم الاقتصاد السياسي. بل الجدل قائم في كيفية هذه السيادة بهذه البلدان. فنمط الإنتاج الرأسمالي في أمريكا لايختلف عن نمط الإنتاج الرأسمالي في فرنسا، لكن النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي سائد في أمريكا يختلف عنه في فرنسا والتي يختلف نظامها الاجتماعي بدوره عن النظام الاجتماعي في السويد.
أما الادعاء بسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي في إفريقيا وفي آسيا فذلك يرقى إلى مستوى الحلم، فسيادة هذا النظام كونيّا يجعل من مهمات الشيوعيين مهمات يسيرة وواضحة ويجعل هذا النظام قريبا من نهايته. وذلك اعتبارا أنه وفق المادية التاريخية : لكي يسود نمط إنتاج ما فهو مضطر إلى تفكيك بنى اجتماعية وإعادة تركيب بنى اجتماعية أخرى تتفق مع تطور نمط الإنتاج الجديد. إن الحديث عن سيادة النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي يستدعي بالضبط توافق نمط الإنتاج الرأسمالي مع بنيته الفوقية (شكل الدولة، القوانين، الثقافة...)

الحرب ما بين البرجوازيات؟

جاء في النص " صارت الحرب لازمة من لوازمه ". إن الحرب ليست من لوازم النظام الرأسمالي بل ظاهرة الحرب مرتبطة بالمجتمعات الطبقية، من ذلك أن الرومان قاموا بعديد الحروب ولننتبه جيدا لما ورد بهذا النص
1. الحرب تجسّد القانون العام للنظام الرأسمالي.
2. و ما هو هذا القانون العام؟ إنها المنافسة.
3. الحرب توفر الحل المؤقت للأزمات المتعاقبة.
4. الحرب تجسد الهيمنة الطبقية للبرجوازية.

إن فهم آليات النظام الرأسمالي على هذا الشكل يجعله نظاما على غاية من الشقاء وشبيها "بالنظام الاجتماعي" الذي ساد في الجزيرة العربية في القرن السادس عشر حيث أنه بمجرد إخماد حرب بين قبيلة و قبيلة تندلع أخرى. و إذا كان النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي على هذه الصورة لتمكنت "الطبقة العاملة" العالمية (اعتبارا أن النظام الرأسمالي سائد بمنطق صاحب النص) من الإطاحة به بأقل الخسائر الممكنة. و لو أن هذا النظام على درجة من الوضوح (تتجسد كل قوانينه بالحرب) لما كلّف ماركس نفسه ما يزيد على عشرين سنة لكتابة "رأس المال" لتحليل القوانين التي تتحكم في نمط الإنتاج الرأسمالي وصيرورة هذا النمط من الإنتاج وفق شروط مادية محددة.
فإذا كان من البديهي أن نمط الإنتاج الرأسمالي هو نمط الإنتاج الفعلي منذ عقود في العديد من الأماكن وأصبح النظام الاجتماعي السائد بها، فذلك يعود إلى قدرته على التكيّف و على ديناميكية قوانينه الداخلية التي تحكمه، يعني باختصار أن قوة النظام الرأسمالي لا تكمن في قدرته على خوض الحروب بل تكمن في تحوّله إلى نظام اجتماعي. "فالحرب مواصلة للسياسة لكن بوسائل أخرى" و بالتالي فالحرب لا يمكن أن تجسد القانون العام للنظام الرأسمالي ولا الهيمنة الطبقية للبرجوازية بل شكل الدولة هو الذي يجسد الهيمنة الطبقية.
إن تفوق النظام الاجتماعي الرأسمالي يعود إلى عديد المعطيات المتداخلة و المعقدة وقدرته على توظيف المعرفة في جميع المجالات بالاعتماد على الإنجازات العلمية الكبرى فالحروب الحديثة التي تقوم بها النظم الرأسمالية تعتمد بشكل رئيسي العلم والتقنية والأبحاث و جميع فروع المعرفة (العلوم الاجتماعية والانسانية، علوم الإحصاء، علوم الفضاء...) و بشكل ثانوي على سواعد العمال. فصاحب النص يتحدث عن "التدمير الفيزيائي للفاعل التاريخي (البروليتاريا)" و كأنه يتحدث عن حروب القرن الثامن عشر وعن العمّال الذين يتحدث عنهم "زولا". فهو يتحدث عن حروب لا ترتبط بزمان أو مكان فقد ماثل بين جميع الحروب حيث يقول "إن الحرب الما بين برجوازيات إنما تخاض بيافطات إيديولوجية تتبدل وتتغير". إنه الحل السحري لفهم جميع حروب عصرنا: فهي حروب ما بين البرجوازيات إنما تخاض بيافطات إيديولوجية تتبدل وتتغير، فأي مدية جدلية ومادية تاريخية تسمح لنفسها بالحديث عن الحروب بهذه الطريقة؟ .
فهل يمكن اعتبارالحرب التي دارت سنة 1994 في رواندا و التي فاق عدد ضحاياها المليون شخص حربا ما بين البرجوازيات تحت يافطة عرقية ؟ هل يمكن اعتبار الحرب الأهلية الدائرة في السودان حربا ما بين البرجوازيات؟ وقائمة هذه الحروب طويلة نذكر منها: حرب في الكونغو، في ساحل العاج، في كشمير،... و حرب احتلال العراق في 2003 التي أثمرت حربا أهلية، هل كل هذه حروب ما بين البرجوازيات؟
إن المطّلع على أخبار كل هذه الحروب بإمكانه مساءلة صاحب النص لماذا ينخرط ملايين البشر في مثل هذه الحروب؟ هل نفسّر انخراط هؤلاء بقدرة البرجوازية على تعبئتهم تحت يافطات مختلفة كما ذكر؟ لا نعتقد أنه يروم هذا التفسير إذا اعتبرنا قوله :"فهم الأفكار من خلال الواقع الذي هو الأساس المادي لهذه الأفكار" إذن فما هو الأساس المادي لهذه اليافطات التي تحرك ملايين البشر في حروب أهلية؟ نحن أمام مأزق فعلي يتمثل في ما إذا كان النظام الرأسمالي نظاما سائدا لكنه يعتمد بشكل فعلي على يافطات سحرية تحرك عددا هائلا من "المغفلين" في حروب تستمر لعقود من الزمن و إن كانت هذه الطبقة العمالية العالمية على هذا القدر من الغباء فإنه يكون من الغباء طرح مهمة الثورة الشيوعية على هذه الطبقة .
نعتقد أنه من الأسلم اعتبار هذه اليافطات التي يتحدث عنها صاحب النص هو توافق البنية التحتية مع بنيتها الفوقية و هذه البنية التحتية لا علاقة لها أصلا بنمط الإنتاج الرأسمالي. إن انحصار هذه الحروب في أماكن بعينها: الصومال، أفغانستان، العراق ...، يعد الدليل المادي والقاطع على عدم سيادة النظام الرأسمالي، وعلى الصعوبات التي تعترض هذا النظام في مواجهة بني اجتماعية ما قبل رأسمالية، كان قد وظّف فيما مضى كل واحد منها الآخر واستثمره لدحر ومحاصرة نمط إنتاج بديل وهو النمط الإشتراكي.
إن ما ورد بالنص حول النظام الرأسمالي والحرب لم يكن نتيجة تفكيك و تحليل و استنتاج بقدر ما كان بدافع التشهير بما يعتبره صاحب النص نظاما سائدا. إن آليات عمل هدا النظام تعفيه من هذه المهمة العسيرة (التشهير) حيث خبراء ومختصون في جميع المجالات لا يوفرون جهدا للتشهير بفضاعات الحروب(سجن أبو غريب، مجازر البوسنة ،....) كما أنتجت مئات الأفلام والأفلام الوثائقية لتفضح المآسى التي سببها النظام الرأسمالي، آلاف الأبحاث والكتب نشرت بجميع اللغات حول هذا الموضوع ونذكر من ذلك .Tintin en Irak
إن الوهم بأن التشهير من شأنه تنمية الوعي الطبقي أو التوهم بأننا بصدد تقديم عمل ثوري ضد النظام الرأسمالي يتموقع بالضبط داخل بنية فكرية تقليدية لبنية اجتماعية ماقبل رأسمالية وهي البنية التي أشرنا لها في المقال "حرب حزب الله".(سيكون من المفيد الإطلاع على المقال الذي كتبه حكم البابا بعنوان "طريقا دجو آلبو.....)
.فالمماثلة بين كل الحروب على أساس أنها حروب ما بين البرجوازيات موقف مريح لأصحابه. فمن يمكنه تصديق أن الحرب التي يخوضها حلف الناتو في أفغانستان هي حرب بين البرجوازيات الغربية والبرجوازية الأفغانية؟ إن عدم القدرة على تفكيك وضع محدد بمعطيات موضوعية يدفع إلي "إنتاج" جملة من الشعارات بديلا عن إنتاج معرفة تقطع مع العموميات. إن العمل الثوري يقوم على تحديد مهمات دقيقة. إن صفة الثورية لا تكتسب بمدى التشهير بالنظام الرأسمالي والتبشير بالثورة الشيوعية الشيوعي.

- يتبع -

مقال للكاتب السوري :حكم البابا


14 مايو 2005

طريقا جو ألبو لتحسين صورة سورية إعلامياً حكم البابا*

إذا صح ما نشرته جريدة النهار اللبنانية قبل يومين حول تعاقد السفارة السورية في واشنطن مع جو ألبو ـ أحد أصدقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش القدامي ـ لتحسين صورة سورية السلبية في أمريكا، فأظن أن مشكلة صورة سورية الاعلامية في الخارج تكون قد حلّت نهائياً. خاصة وأن (السفارة السورية في سورية) ـ وهذا ليس خطأ مطبعياً ـ سبق لها أن افتتحت مركزاً إعلامياً في لندن وعهّدت تحسين صورة سورية أوروبياً إلي مديره الدكتور يحيي العريضي. ولم يبق أمام (السفارة السورية في سورية) سوى مهمة واحدة هي تحسين صورتها لدي مواطنيها في الداخل، وهي مسألة معقدة وشائكة، ليس بسبب غياب الحوار الوطني الذي تتحدث عنه المعارضة (المزعجة) علي طريقة مريم نور، وليس بسبب المادة الثامنة من الدستور السوري التي لا تعترف أن هناك قانوناً دولياً صدر بتحرير العبيد، وليس بسبب قانون الطوارئ الأبدي الذي أصبح من الثوابت المبدئية، إنما ببساطة لأن تحسين صورة سورية في الداخل لن يكون مأجوراً. فتحسين صورة سورية في الخارج، سواء في لندن أو واشنطن ستدخل فيه العملة الصعبة، ولابد لأحد ما أو لعدة آحاد ما أن (يلحسوا إصبعهم) على حد التعبير السوري الأشهر اليوم، وسيتوسط فيه هذا لذاك، بحيث تظهر صلة الرحم بأوضح معانيها!
وأنا هنا لا أعترض على الدولارات التي تقتطع من أموال الشعب السوري ليمول بها مركز إعلامي في لندن خطته في تحسين صورة سورية الإعلامية. هي نفس الخطة التي كان يعتمدها كل طالب عربي في دول المنظومة الاشتراكية سابقاً، عندما يرسب في مادة ما، فيعزي نفسه وأهله بأن أستاذ المادة يهودي، وهي كلمة مفحمة تختزل تاريخاً من حكم الأنظمة العربية لشعوبها، وحبة الصداع المهدئة والمريحة لكل الاخفاقات العربية. ولكني أعترض على الدولارات التي ستدفعها السفارة السورية في واشنطن، لشركة أمريكية يملكها جو ألبو لتحسين صورة سورية في أمريكا، لأنها تطبق المثل الشعبي (رزق الهبل ع المجانين) تطبيقاً حرفياً، وتضع السفارة السورية في واشنطن موضع الصعيدي الذي نزل إلي القاهرة واشتري الترامواي. وأتمني من الله أن لا تأتي نتائج تحسين صورة سورية في أمريكا علي يد جو ألبو، علي طريقة نتائج الرحلات المكوكية التي جالت بها الوزيرة السورية بثينة شعبان العالم لتحسّن صورة سورية، وتربط علاقات، وتعيد صلات، وتلتقي بنواب الكونغرس الأمريكي ذوي الأصول العربية، فكانت النتيجة صدور قانون محاسبة سورية بموافقة نواب الكونغرس ذوي الأصول العربية إياهم، والذي موّل الشعب السوري نفقات سفر الوزيرة شعبان للقائهم.
ثم لنكن حسني النية ونفترض أن المسألة جدية، وليست (سبوبه) لتحسين الدخل أو تأمين الشيخوخة، أو الاطمئنان علي مستقبل الأولاد والأحفاد، فما الذي سيفعله جو ألبو لتحسين صورة سورية؟
على طريقة قارئي البخت في فناجين القهوة سيجد أمامه طريقين. الأول هو الأسلوب السوري بأن يأخذ جزءاً من الدولارات التي لهفها من (الصعيدي السوري)، ويذهب إلي وزارة الخارجية والبنتاغون والكونغرس والبيت الأبيض، ليفتح درج الوزيرة كوندليزا رايس ويضع فيه رزمة معتبرة من الدولارات، التي ستتجاهل الآنسة كوندليزا قراءة عبارة الايمان بالله المطبوعة عليها، مكتفية بقراءة فئاتها، فتتغير لهجتها، وتذهب من فورها إلي قاعة المؤتمر الصحفي في وزارتها، بعد أن تقفل الدرج بالمفتاح، وتقول بغنج: يا عيني علي سورية، لقد شاهدت اليوم على الفضائية السورية برنامج (دليل سياحي) وأعجبت بسورية، وأنا لو لم أكن أمريكية لتمنيت أن أكون سورية.
وبعد أن يطمئن جو ألبو إلي أن الأنسة كوندليزا شفيت من الرهاب الأمريكي بالدواء السوري، سيخطف رجله إلي البنتاغون ويرسل ظرفاً إلى الوزير دونالد رامسفيلد مع مدير مكتبه. وبعد أن يعد رامسفيلد دولارات الرزمة، ويضعها بعناية في جيب جاكيته أمام قلبه مباشرة، تختفي نظرته الممتعضة، ويخرج باسماً من فوره، ليقول للصحافيين الجملة الشهيرة التي تزيّن بها مجلة (فنون) السورية كل أعدادها: لكل إنسان في العالم وطنان، الوطن الذي ولد فيه وسورية. ويضيف مرتجلاً بخروج واضح عن النص، بعد أن يتحسس رزمة الدولارات في جيب جاكيته، وبوحي منها: أما أنا فوطني الوحيد هو سورية.
وعندها سيطمئن جو ألبو إلى انتظام دقات قلب رامسفيلد وتوافقها مع دقات ساعة التلفزيون السوري، يغادر إلي الكونغرس، وُيخرج السيناتورة إليانا روس راعية قانون محاسبة سورية من الجلسة المنعقدة، ويضع في حقيبة يدها ظرفاً محشواً بالدولارات، فتعود من فورها إلى الجلسة وتسحب توقيعها عن كل مشروع قانون معادٍ لسورية، وتقدّم للكونغرس مشروعاً جديداً لاصلاح الكونغرس الأمريكي عن طريق الاستفادة من التجربة البرلمانية الفريدة في سورية، منوهة بوعي النواب السوريين ومستشهدة بمداخلة النائب محمد حمشو التليفونية التي تلاها عن (صدر وظهر وبطن) قلب في حلقة برنامج (الاتجاه المعاكس) التي استضاف فيها فيصل القاسم الدكتور عبد الرزاق عيد، والسيد كريم الشيباني الذي يجمع في شخصه ـ بمعجزة لا تحدث إلاّ في سورية ـ حزباً بكامله (أمانة عامة ومكتبا سياسيا ولجنة مركزية وأعضاء).
وسينهي جو ألبو جولته في البيت الأبيض.. ظرف لديك تشيني، عقد من الألماس للورا بوش، وكم دولار هنا، وكم دولار هناك. وعندها ستتوحد الإدارة الأمريكية كلّها في وجه بوش وتخيّره بين التنحي عن منصبه، أو تغيير موقفه من سورية التي تحسنت صورتها علي يد الله، ويد جو ألبو، ودولارات السفارة السورية. وساعتها سيخرج السفير السوري في واشنطن عماد مصطفي بوجه مرتاح وغير ممتقع هذه المرة، ليعلن في (خيمة صفوان) الاعلامية على CNN أن المهمة أنجزت.
إذا نجح جو ألبو في استخدام هذا الأسلوب السوري المجرب والناجح، في تحسين صورة سورية الاعلامية في أمريكا، فستكون مهمته قد أنجزت وحلال عليه الدولارات التي اقتطعت من السوريين. فحسب خبرتي بالعقل السوري أرى أن اختيار جو ألبو بالذات لانجاز هذه المهمة، كان هدفه استخدام هذا الأسلوب السوري في التسويق، باعتباره أحد أصدقاء الرئيس جورج بوش القدامي، وأحد أعضاء إدارته السابقين. ولذلك فهو ـ حسب عقل من استخدمه ـ وسيط رشاوي أكثر من كونه مسوّقاً إعلامياً أو إعلانياً أو رجل علاقات عامة.
أما إذا لم ينجح ولجأ إلي الطريق الثاني وهو التسويق حسب الأسلوب الأمريكي، فسيكون في مشكلة كبيرة، وموقف أكثر إحراجاً من موقف المرأة التي حبست قطة فلا هي أطعمتها، ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض، حسب ما جاء في الحديث الشريف الذي نقله أبو هريرة. لأنه عليه عندها أن يبحث عن معطيات واقعية لتسويق صورة سورية إعلامياً، وسيتلفت حوله كثيراً، ويضرب جبهته طويلاً بالجدران، وسيشعر أن وضعه أصعب من وضع سيدنا يوسف بعد أن ألقاه إخوته في البئر. فلو جلس جو ألبو أمام شاشة التلفزيون ليبحث عن بضاعة إعلامية يسوق بها سورية، وشاهد برامج المنظمات الشعبية من الطلائع إلي الشبيبة إلى الطلبة إلي الحرفيين، سيترك حملته الدعائية ليصبح أحد المداومين في العيادات النفسية، ومصحات الاستشفاء من الكآبة والوساوس القهرية.
ولو وقع بين يدي جو ألبو عدد جريدة الشرق الأوسط الصادر في 24/10/2004 وقرأ فيه تصريح وزير الاعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله الذي اعتبر فيه أن سورية اعلنت اكثر من مرة ان وجود جيشها مؤقت في لبنان، وبعد فترة قد تضطر إلى طلب مساعدة من الجيش اللبناني في سورية، والكثير من السوريين يتمنون رؤية الجيش اللبناني في شوارع دمشق فسيكسب الإسلام رجلاً صالحاً يدخل في دعوته، بعد أن يرفع محمد جو ألبو ـ كما سيسمي نفسه ـ سبابتيه في الهواء ناطقاً بالشهادتين، ناذراً قضاء ما تبقي من عمره في قراءة (سورة الفلق).
لكن المصيبة لو قرر جو ألبو وضع شعار الإصلاح الذي تردده وسائل الإعلام السورية ثلاث مرات في اليوم (بلعاً) عن طريق الفم، قبل الأكل وبعده، عنواناً لحملته التجميلية لصورة سورية إعلامياً، كونه سيكتشف أنه يعمل في المكان الخاطئ والاتجاه الخاطئ، لأن المطلوب عندها سيكون تحسين صورة أمريكا في سورية إعلامياً وليس العكس.
أخشي أن نستيقظ ذات صباح ونفاجأ بأن جو ألبو متعهّد تحسين صورة سورية في أمريكا قد اتخذ قراراً باعتزال مهنة العلاقات العامة والتسويق الإعلامي والإعلاني، وفضّل السفر إلي مجاهل غابات إفريقيا ليعمل في اصطياد الحيوانات المفترسة. فهي مع كل خطورتها، أكثر سهولة من المهمة الشاقة التي تعاقدت معه السفارة السورية في واشنطن لانجازها.
*كاتب وصحافي من سورية
""


Tuesday, January 23, 2007

مقال للكاتب السوري :حكم البابا


أكثر عشر ملاحظات تلفزيونية علي غزوة حزب الله البيروتية!
2006/12/06
أكثر ما لفت انتباهي في اللقاءات التي أجراها مراسلو التلفزيونات العربية مع نماذج مختلفة من المتظاهرين أمام مبني السراي الحكومي في بيروت يوم الجمعة الماضي، هي الاجابات الموحدة التي قالها كل من ظهر علي شاشة تلفزيونية، بحيث توهمت للحظة بأني أتابع حصة مدرسية في استظهار الأناشيد، فقد اتفق جميع من التقاهم مراسلو التلفزيونات، علي أنهم جاؤوا إلي ساحة رياض الصلح لاسقاط حكومة السنيورة، لأنها حكومة السفير الأمريكي فيلتمان، ولتشكيل حكومة وحدة وطنية نظيفة، وتمنيت في تلك اللحظات أن يستفسر هؤلاء المراسلون من ضيوفهم عن معني كل كلمة في أجوبتهم، فيسألونهم ما هو دليلهم علي كون حكومة الرئيس السنيورة هي حكومة فيلتمان؟ وما هو مفهومهم لحكومة الوحدة الوطنية؟ وكيف تكون الحكومة نظيفة في رأيهم؟ وأنا علي يقين عندها أنني كنت سأسمع أصواتاً غير مفهومة تتبدل من التأتأة والفأفأة كما لو أنني أدخل مدرسة لتعليم النطق للذين يعانون من مشكلات فيه.أكثر سؤال مرّ في ذهني..أما أكثر سؤال مرّ في ذهني وأنا أتابع تظاهرة حزب الله، وأشاهد الحشود التي رفعت قبضاتها وأصواتها في الهواء أمام السراي الحكومي في بيروت، مطالبة برحيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، متهمة إياها بالخيانة والفساد: ما هو موقف هذه الحشود لو أن الأمين العام للحزب ظهر فجأة مخاطباً المتظاهرين بأنه أعاد النظر في حكومة الرئيس السنيورة، واكتشف أنها حكومة وطنية ونظيفة؟ هل سيرفض المتظاهرون كلام أمينهم العام ويستمرون في احتجاجاتهم، ويصرون علي اسقاط الحكومة؟ أم سيخرج قيادي من الحزب ليعلن أن الأمين العام لا يفعلها، ويتجاهل إعتراف سيده بعد انتهاء الحرب الاسرائيلية علي لبنان بأنه لم يتوقع ردة الفعل الاسرائيلية علي قيام عناصره بخطف الجنديين؟ أم سنسمع هذه الجماهير تصلي علي النبي محمد وآل بيته ثم تغيّر شعاراتها من الاحتجاج علي الحكومة إلي تأييدها، ومن المطالبة باسقاطها إلي الاصرار علي بقائها؟أكثر ما أثار دهشتي..وأكثر ما أثار دهشتي في هذه التظاهرة الحزب الهية هو قبول الجنرال ميشيل عون القيام بأداء دور الممثل البديل (الدوبلير) بدلاً عن نجم التظاهرة الذي غاب بجسده وحضر بصوته وجمهوره، ورغم مابذله الجنرال عون من جهد واجتهاد لارضاء الحشد الذي يخطب فيه وحصد تصفيقه، فقد ظهر واضحاً أن الحشد كان يصفق للنجم وليس للدوبلير، وعلي من يشكك بكلامي مراجعة التسجيل التلفزيوني للتظاهرة، ليكتشف أن الهياج الشعبي من تصفيق وهتاف كان يبدو في قمة حماسته حين يذاع تسجيل صوتي لأمين عام حزب الله، بينما يبدو أقرب إلي الواجب وتنفيذ التعليمات خلال إلقاء الجنرال عون لخطبته، باستثناء الفقرات التي كان يخرج فيها الجنرال عن أصول التخاطب واللياقة السياسيين.أكثر موقف تذكرته..أما أكثر موقف تذكرته وأنا أشاهد تكريم حزب الله للجنرال عون بتسميته الخطيب الوحيد للتظاهرة، فهو موقف أبو سفيان خلال فتح مكة، عندما طلب من النبي محمد بعد أن أعلن أن من دخل بيت الله فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، أن يعطي لأبو سفيان شيئاً لأنه يحب الفخر، فما كان من النبي إلاّ أن أعلن ومن دخل بيت أبو سفيان فهو آمن، مع الفارق الشاسع بين الموقفين طبعاً.أكثر انجاز شاهدته..وأكثر انجاز شاهدته لتظاهرة حزب الله هو دخول المسيحيين أفواجاً في الاسلام، فلأني لا أريد أن أكذب من أعلن عن مشاركة مسيحية واسعة في التـــظاهرة من مناصري الجنرال عون، ولأني لا أستطيع أن أكذب عيني اللتين تنقــــلتا بين شاشات المنار والجــــــديد والـ NBN بحثاً عـــن فتاة سافرة الرأس في التظــــاهرة، ولم تعثرا إلاّ علي المحجبات، فقد هداني تفكـــــيري إلي ما يمكن به حل التناقض بين ما سمعته أذناي ورأته عيناي، وهو اعتبــــــــار أن المسيحيين الذين شاركوا في التظاهرة أعلنوا اسلامهم وتحجبت نســــــــاؤهم، وبهذه الطريقة فقط أستطيع أن أصدق من تحدث عن مشاركة مسيحية واسعة في التظــــاهرة، ولا أكذب عيني في نفس الوقت!أكثر رجل افتقدته..أما أكثر رجل افتقدته في التظاهرة فهو الرئيس نبيه بري، الذي بدا لي وضعه في التظاهرة مثل وضع شاهد الزور في محكمة.أكثر مشهد بقي في ذهني..وأكثر مشهد بقي في ذهني من كل التظاهرة هو مشهد النراجيل التي كان يحملها أصحابها ويتباهون بتدخينها أمام عدسات الكاميرات التلفزيونية، كما لو أنهم قدموا من مناطقهم الجنوبية في رحلة سياحية مجانية مدفوعة الأجر إلي وسط بيروت، لا كمشاركين في احتجاج سياسي أو تظاهرة شعبية.أكثر ماكان غائباً..أما أكثر ماكان غائباً عن تظاهرة حزب الله في ساحة رياض الصلح فهو البرنامج البديل في حال حققت هدفها وأسقطت حكومة الرئيس السنيورة، وجاءت بحكومة وحدة وطنية نظيفة، فكل الشعارات التي رفعتها التظاهرة سواء بالهتافات أو من خلال اللافتات خلت من بدائل واقعية أو برامج حكم سواء علي الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وتصلح لقيادة تظاهرة لا لقيادة دولة. أكثر ما أثار قلقي..وأكثر ما أثار قلقي في التظاهرة هو غياب كلمتي الحرية والديمقراطية عن خطب خطبائها وكلمات لافتاتها وهتافات حشدها، ففي حين جرت العادة أن تطالب شعارات أية تظاهرة معارضة في العالم بمزيد من الحرية والديمقراطية، تطالب تظاهرة حزب الله بالعودة عن الديمقراطية، وتهتف للوصايات، محاولة إعادة الزمن إلي الوراء لا دفعه إلي الأمام.أكثر قصة خطرت لي..أما أكثر قصة خطرت لي وأنا أتابع تكتيكات حزب الله ومظاهرته من خلال شاشة المنار، فهي القصة التي طالما رواها الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان عن شقيقين قرر أحدهما الدخول في خلوة للتعبد، ووصل إيمانه إلي الدرجة التي استطاع فيها أن يملأ سلة من القش بالماء من دون أن يتسرب منها، وعند وصوله إلي تلك المرحلة الايمانية نزل إلي المدينة لكي يطلع أخاه الذي يمـتلك محلاً لبيع الاحتياجات اليومية للناس علي ماتوصّـل إليه، فاستبقاه أخوه مكانه في المحل بعد أن علّق له سلّة القش في مـكان مرتفع من دكانه، وأوكل إليه مهمات البيع والشراء والتعامل مع الناس، ريثما يخــــــبر زوجته بحضور أخيه لتولم له، وبينما كان الشقيق المؤمن يتابع أعمال أخيه في البيع والـشراء كان الماء يتسرب من سلّة القش إلي أن فرغت.. وهو مافعله بالضبط حزب الله فـي غزوته البــيروتية أمام السراي الكبير الجمعة الماضي. كاتب من

Friday, January 19, 2007

الشرق الأوسط الجديد....مقال لهويدا طه

ضجت رؤوسنا بهذا الشرق الأوسط الجديد! لكن المسألة هي أبعد وأخطر من مجرد (ضجيج)، فالشرق الأوسط (القديم) ليس هو ما يستحق الدفاع عنه باستماتة علي كل حال!.. إنما هو ـ الإنسان العربي ـ الذي يجد نفسه الآن أمام عدة أسئلة ليس مطروحا بشأنها رفاهية التغاضي عن البحث علي إجابات لها، ليس أول تلك الأسئلة ما هو ذلك الشرق الأوسط الجديد؟ وما هي خطورته ولماذا يأتينا من الخارج.. ولماذا يعارضه هؤلاء المفكرون والمثقفون من بيننا.. وما هو البديل وكيف نفرضه؟ بل.. ولماذا أصلا يجب أن يتغير ذلك القديم بذاك الجديد؟! وأخيرا.. هل باستطاعتنا ذلك أم أننا لم نعد نملك إلا الاستسلام.. وهل (الوقت) في صالحنا أم أننا حتي لو (أردنا) وحتي لو (أمكننا) فرض بديلنا فإن الوقت لن ينتظرنا.. أسئلة ربما ليس علينا فقط ـ في عالمنا العربي ـ البحث عن إجاباتها.. وإنما البحث حتي عن أدوات الإجابة الجديدة، بل والبحث عمن يضطلع بمهمة طرح الإجابة ومن يضطلع بمهمة تنفيذها.. إذا كان ذلك ممكنا.. الشرق الأوسط الجديدهناك مقال دال بعنوان (الشرق الأوسط الجديد.. الحقيقي) نشر يوم 20 أغسطس في الواشنطن بوست وكاتبه يدعي آفشن مولافي وهو من مؤسسة أميركا الجديدة (نيو أميركا فاونديشن)، قال مولافي في مقاله: إن شرقا أوسط جديدا بالفعل يولد كما قالت كونداليزا رايس.. ولكنه بعيد عن أجندة بوش الديمقراطية (بحسب ما يقول الكاتب) إنه انفجار استثماري بمئات المليارات من الدولارات علي يد جيل جديد من مستثمرين عرب في منطقة الخليج ومصر والمغرب ، وقبل ذلك استهل الكاتب مقاله بتساؤل ساخر قائلا: في الوقت الذي كانت تزداد فيه الحرب شراسة في لبنان.. ماذا كان يفعل عشرة ملايين سعودي؟ هل كانوا يتظاهرون للاحتجاج؟ لا.. هل كانوا يوقعون عريضة تطالب بوقف الحرب؟ لا.. هل كانوا يتجمعون لمقاطعة البضائع الأمريكية؟ لا أيضا.. إذن ماذا كانوا يفعلون.. كانوا يشترون الأسهم ! ثم راح يستعرض في مقاله بالأرقام عدة مشاريع اقتصادية تنشأ في دول الخليج ثم في مصر والمغرب والجزائر.. تؤسسها الحكومات الغنية في الخليج أو الأفراد الأغنياء هنا وهناك.. مئات المليارات من الدولارات العربية زحفت أيضا إلي باكستان والهند وماليزيا وإندونيسيا.. ثم اختتم الكاتب مقاله متسائلا: هل ما نشهده هناك (في الشرق الأوسط) هو نوع من النمو الاقتصادي أم مولد (صفوة) تصنع المزيد من المال؟ حتي هنا كان مقال مولافي وتساؤلاته.. أما تساؤلاتنا نحن هنا (في شرق أوسطنا!) فتختلف.. بل هي بالضرورة ستختلف.. هو الاقتصاد إذن.. هو المال، الذي يربط الغرب بالشرق.. ويربط الماضي الاستعماري بحاضر هو الآخر استعماري ومستقبل يبدو أكثر استعمارية وأشرس، هي الرأسمالية إذن.. التي تزداد توحشا وفتكا بملايين البشر.. من أجل أن يثري ثم يثري بها هؤلاء الذين وصفهم مولافي بقوله (صفوة) تصنع المزيد ثم المزيد من المال.. هذا هو الشرق الأوسط الجديد.. سوق كبيرة تملكها وتتحكم بها قلة هنا تابعة لقلة أخري هناك! ولا هدف لها إلا تحويل تلك السوق إلي ماكينة تصنع لها المال، بينما أكثر من ثلاثمئة مليون إنسان (سكان العالم العربي) ليس عليهم إلا أن يكونوا وقودا لتلك الماكينة المخيفة.. الشرق الأوسط الجديد، وفي خدمة ذلك الهدف الأسمي (بالنسبة لهم) يتم تسخير السياسة والثقافة بل والعلم، إسرائيل أداة من أدوات السياسة.. الدعوة إلي دمقرطة الشعوب العربية وأنظمة حكمها أداة سياسية كذلك.. والإعلام وهز الثقة في الذات الحضارية للشعوب أدوات ثقافية.. تديين الصراع علي الأرض والموارد أداة ثقافية كذلك.. والتكنولوجيا بكل صورها أداة علمية.. بدء بالقنابل والصواريخ وحتي وسائل الاتصال كذلك.. كلها أدوات تكثف قدراتها الفاعلة ـ باختصار ـ من أجل هذه السوق.. (بالطبع نفس اللعبة تجري في مناطق أخري.. آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.. كل حسب ما يناسبه من فعل، لكننا نهتم هنا جزئيا وإلي حين بمنطقتنا.. المنطقة العربية)، ولأن هذه السوق ستسحق حتما شعوب المنطقة.. فهي لا تصنع (تنمية من أجل الإنسان) وإنما (تبيع ذلك الإنسان وهما بل تبيعه هو ذاته) ولأن هذه السوق كي تنتعش تتطلب تشويه تلك الذات الحضارية لأبناء المنطقة العربية.. فإن هؤلاء المتقدين انتماءً.. للإنسانية عموما وشعوبهم خصوصا.. الذين ندعوهم (مثقفينا ومفكرينا) يعترضون علي هذا الشرق الأوسط الجديد أو لنقل (تلك السوق الجديدة التي تبيع الناس وهما وتبيعهم هم ذاتهم).. لكنه اعتراض عاجز بغير أدوات إلا من الحدس أو (الإحساس بالخطر).. وبلا بديل إلا من نقد الهجوم والتغاضي في الوقت ذاته عن لاعقلانية أدوات الدفاع.. وبلا نصير قوي.. فالعالم كله مأخوذ ـ كل في مكانه ـ باندفاع الرغبة المحمومة والهجوم المالي بقيادة الشركات المتحدة الأمريكية والشركات الأخري العابرة للقارات وأتباعهم المحليين.. بل هذا الاعتراض ـ المحق طبعا في رأي الكثيرين ـ لا يبدو (الوقت) في صالحه بالمرة.. فأمام هذا السيل المالي الذي تخدمه وسائل كلها فعالة.. لا يبدو أن (الانتظار) في صف هؤلاء المعترضين ومن خلفهم من شعوب لا حول لها ولا قوة.. إلا ربما التخبط والاقتتال فيما بينها علي أرصفة تلك السوق.. فما الحل؟ هل انتهي التاريخ؟ هل قضي الأمر؟ هل نترك أنفسنا لنباع في تلك السوق؟! أم.. أم ندافع عن أنفسنا.. الوطن العربي الجديدفي كتابه (بين الثقافة والسياسة) قال الكاتب الجميل الراحل عبد الرحمن منيف (مؤلف روائية مدن الملح): لقد انقضي قرن كامل ولا نزال ندور في دوامة خلقناها لأنفسنا، وجاء العدو الذي كان أوروبيا أول مرة ثم أمريكيا إسرائيليا بعد ذلك، لكي يدفعنا أكثر فأكثر للدوران الفارغ الأبله، دون أن نستطيع وضع العربة علي السكة كما يقال ، كذلك لاحظ سعد الله ونوس الراحل أيضا في (هوامش ثقافية): أولئك الرواد لو أطلوا من فوق حافة الزمن ونظروا إلينا لشعروا بالحزن مرتين، أولا لأن النهضة لا تزال تحتاج إلي نهضة، فنهضة علي امتداد قرن كان الانكفاء فيها أكثر من محاولات النهوض، وثانيا لأن أحفادهم فقدوا المبادرة وتكوموا علي هامش ثانوي كثير الضوضاء زهيد الفعالية ، مثقفونا إذن (يشعرون) بأن علة ما فينا وفي ثقافتنا وفي ذاتنا الحضارية ليست فقط تضعفنا أمام أعدائنا.. بل بسببها نفقد الطريق، وهذه (العلة) التي طالما بحثت عنها.. هاجسي الذي طالما دفعني للبحث عن مكمن (مصيبتنا).. ربما يكون أقرب تحديد لها أو له يجدر بنا تأمله هو ما وصف به المفكر الأمريكي غوندر فرانك (آلية الثقافة) في بعض المجتمعات عندما قال إن هناك ما يسمي (تطور التخلف)، لعله هو هذا.. تطور التخلف.. في ثقافتنا العربية، ضعفنا السياسي والاقتصادي والعلمي ربما يكون مرده أن (تخلفنا يطور نفسه!) يطور أدواته لإنجاز المزيد من التخلف! والمخرج من هذه الأزمة الحضارية هي أن نوقف تخلفنا عن تطوير نفسه، أما السؤال الأصعب دائما فهو: كيف؟! هذا ما قاربه الدكتور هشام غصيب في كتابه (تجديد العقل النهضوي) عندما طرح بجرأة الإجابة أو محاولة أولية للإجابة علي هذه الكيف.. لا يتسع المجال هنا لسردها كاملة وإنما هي باختصار شديد: أن نكف عن التطلع إلي (حصد) نتائج الثورة العلمية التي حدثت في الغرب.. وجعلتهم إلي هذه الدرجة قادرين علي إذلالنا بعلم وعقل منحهم القوة والقدرة وغذي فيهم طموح السيطرة، بل.. بل نتطلع إلي صنع ثورة علمية هنا في أوطاننا.. أن نمر في الطريق الشاقة التي مرت فيها أوروبا لا أن نقفز ـ إن نجحنا أصلا في القفز وهذا لن يحدث ـ إلي المحطة الأخيرة التي وصلوا إليها.. هذا يعني باختصار أنه حتي نتصدي لهذه السوق المسماة (الشرق الأوسط الجديد) ونطرح بدلا منها (مشروع الوطن العربي الجديد) لابد أن نبدأ من هنا.. من نقد ذاتنا الثقافية والحضارية بقسوة.. من التصدي لتخلفنا وقدرته الفريدة علي تطوير نفسه.. مشروع الوطن العربي الجديد لابد أن يبدأ (ثقافيا) ثم ـ إن أسعفه الوقت ـ يعكس نفسه علي السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية.. أولا علي المستوي السياسي: ليس ممكنا طرح مشروع نهضوي جديد في بلد وحده هنا، العالم كله ينظر إلينا باعتبارنا (كتلة العرب) وبالتالي أحد أركان مشروع الوطن العربي الجديد هو تجديد مفهوم (القومية العربية) لا من منطلق عاطفي أو رومانسي أو عرقي فهذا سخف تجاوزه الزمن، وإنما لأن الهجوم الرأسمالي يعتبرنا (سوقا واحدة) ونحن يجب أن نتصدي لبيعنا في تلك السوق.. بالجملة! وكذلك لأن تخلفنا الذي يطور نفسه باستمرار هو تخلف مترابطة أطرافه في كامل هذه المنطقة العربية.. وتفـــــكيكه يحتاج إلي تصدي ثقافي بكامل منطقته.. والأدلة التاريخية واضحة.. فبينما كانت هناك (بوادر) مشروع نهضة عقلانية في مصر.نشأت مملكة علي الضفة الأخري من البحر الأحمر ترعي وتنثر التخلف بكل أبعاده هنا وهناك حولها.. لن تنجح عقلنة للثقافة في مصر مثلا طالما هناك هذا المنبع الفياض للتخلف في الجوار، المشروع الذي يتصدي للتخلف الذي يطور نفسه لابد أن يشمل الجميع، مثال آخر.. لم تفلح جهود التصدي لإسرائيل في بلدان عربية أخري لأن في الجوار المصري كان الاستسلام الذليل لإسرائيل ينثر مذلته هنا وهناك علي الجميع، لابد إذن من مشروع (شامل) يعمل في كل المنطقة العربية.. أي لابد من تجديد مفهوم القومية العربية.. ولكن بأسس عقلانية جديدةثانيا علي المستوي الاقتصادي: هذا هو جوهر اللعبة.. لعبة الشرق الأوسط الجديد.. لابد من مجابهته بمشروع الوطن العربي الجديد والذي يأتي (التصدي للرأسمالية) ركنا أساسيا فيه، هذه ربما من أصعب المهام.. لكن هناك قوي أخري في العالم تتصدي أو تحاول أن تتصدي لهذه الرأسمالية الشرسة.. التي طورت أدوات العولمة لتنقذها من مأزقها النهم علي حساب الشعوب.لا يصح أن نستسلم لهذه الشراسة الرأسمالية التي تمنعنا بما لديها من أدوات علمية من محاولة النهوض والاعتماد علي أنفسنا.. الحقيقة أنه حتي رفاهية الاستسلام ليست بأيدينا.. إلا إذا قررنا بيع مستقبل الأبناء والأحفاد والأوطان.. وهذه (عدمية) لا قبل لنا بها.. أما كيف التصدي للرأسمالية.. فإن مشروع (الوطن العربي الجديد) إذا ما تبلور فهو يعني أن (ثقافة الإنتاج والتعاون الحقيقي والاكتفاء الذاتي والحد من شره الاستهلاك) هي كلها أركان أساسية فيه.. ثالثا علي مستوي النظم الاجتماعية: والتي تشمل نظم الحكم والعلاقات البينية بين الأقطار العربية المختلفة والعلاقة بين الأفراد في مجتمعاتها.. فإن هذه هي ربما البداية الحقيقية لمشروع الوطن العربي الجديد.. أن (نبتكر) في مشروعنا صياغة جديدة لمفهوم الديمقراطية.. ذلك المفهوم الذي جاء من أوروبا إلي بلادنا الغارقة في تخلف (يطور نفسه) فاستطاع في أعلي مراحل تطوره أن يشوه ذلك المفهوم الغريب علينا! نحن بحاجة أولا إلي خلق بيئة ثقافية جديدة (تنبع منها الحاجة) إلي الديمقراطية.. وليس استيرادها بمغلفات أنيقة لاستهلاكها في مجتمعات (طاعة أولي الأمر)! ونجن بحاجة إلي التخلص في مشروع الوطن العربي الجديد من (ثقافة الخرافة) والاتكال علي غيب مبهم وصبغ الحاجات الدنيوية بالدين وتديين الصراعات الفردية والجماعية.باختصار نحن في مشروع الوطن العربي الجديد بحاجة إلي علمنة وعقلنة طرائق التفكير وتحريرها من أفخاخ المطلقات والثوابت.. وفك أسرها من الارتهان إلي الأشياء المفارقة لعالمنا الموضوعي الذي نعيش فيه.. وهذا من شأنه أن يجعلنا (نفيق) إلي أن التخلص من النظم الديكتاتورية لن يكون بالبحث عن (ولي أمر آخر أجدر بالطاعة!) بل البحث عن (بناء مجتمع جديد) له رئيس يلتزم بقانون يصاغ هو الآخر من جديد ومؤسسات تخلق أو يعاد بناءها من جديد.. و(إنسان مواطن) يخلق من جديد.. هذه بالتأكيد مهمة ثقافية.. هذا مشروع للمستقبل، يحتاج إلي وقت؟نعم، يحتاج إلي تجنيد ثقافي واسع .. نعم، لكنه ضروري.. وكل مثقفي ومفكري المنطقة العربية من أقصـــاها إلي أقصاها لابد أن يعملون عليه لبدء قرن جديد في النهضة العربية.. لا تكون فيه (مرات الانكفاء أكثر من محاولات النــــهوض) ولا يكون فيه أحفاد رواد النهضة الأوائل.. متهمـــــين بغياب روح المبادرة في نفوسهم وحضور القدرة فقط علي صنع الضوضاء زهــــيدة الفعالية.. كما لاحظ يائسا سعد الله ونوس، وبدون صياغة جديدة لمفاهيم القومية العربية والتصدي للرأسمالية وتفكيك التخلف.. سيكون مصيرنا لا محالة شرقا أوسط جديد!.. أو سوق.. تباع فيها شعوب بأكملها.. بالجملة!ہ كاتبة من مصرhowayda5@hotmail.com8

Sunday, January 07, 2007

رد

ورد الرد التالي عن المقال "معركة حزب الله" وسنتناول هذا الرد بالتعليق لاحقا
الحرب في لبنان
المظهر والآليات (نقد المنهج)

الحقيقة أنّه وبصيرورة النّظام الرأسمالي نظاما سائدا صارت الحرب لازمة من لوازمه، بها يتجسّد قانونه العام : المنافسة، وبها يجد الحلّ المؤقت (ليس للرأسماليّة من حلّ نهائي لأزماتها إلى الثّورة الشّيوعيّة) لأزماته المتعاقبة، وبها أيضا تتجسّد الهيمنة الطبقيّة للبرجوازية بتدمير جزء جديد من قوى الإنتاج وبالتّالي التّدمير الفيزيائي للفاعل التاريخي النقيض (البروليتاريا). لذلك فإنّ الحرب في العصر الرأسمالي ليست حدثا استثنائيّا، وبهذا المعنى يمكن القول أنّ المشهد يتكرّر بما أنه يحتكم لنفس الآليات الداخليّة (حرب فسلم تكون على حساب أحد الأطراف المتحاربة فتوازن مؤقت يرى فيه الطّرف المهزوم ظالما فحرب جديدة من أجل توازن جديد... إلخ). لكن ولأجل فهم آلية التكرار هذه لابدّ أن نتجاوز اليافطات الإيديولوجيّة التي يرفعها هذا الطّرف أو ذاك (أي ما يقوله عن نفسه) أي كشف هويّته الطّبقيّة الفعليّة والمصالح الاجتماعيّة التي يعبّر عنها، لأن في هذا المجال المشهد لا يتكرّر، بمعنى أن الحرب المابين – برجوازيات إنما تخاض بيافطات إيديولوجية تتبدل وتتغير من "النضال ضد الامبريالية" إلى "النضال ضد الفاشية" إلى "النضال من أجل التحرر الوطني" فـ"الديني فـ"الطائفي" فـ"العرقي"، وذلك حسب معطيات التعبئة البرجوازية لهذا الجزء من البروليتاريا أو ذاك.
بهذا الصّدد يمكن اعتبار تعريف حزب الله بأنه حزب طائفي، كما ورد في الوثيقة وكما يعرفه أغلب اليساريين، هو من باب الإقرار بما يقوله هذا الحزب عن نفسه، أي كمدافع عن طائفة ما (الشيعة في هذه الحالة) وهذا من منظور مادي جدلي ليس سوى تمويه إيديولوجي، ذلك أن حزب الله لا يعبر عن مصالح طائفة، إذا ما فهمنا الطائفة لا ككلّ متجانس (الطائفة لا تتجانس إلاّ بمنظور إيديولوجي مموّه) بل كوجود طبقي محدّد يتمّ إخفاءه إيديولوجيّا باسم الطائفة أو الأمة أو العرق... فحزب الله (حزب الكتائب أو أمل...) لا يمكن أن يكون إلا معبرا عن مصالح طبقيّة (هي مصالح شريحة من شرائح الطبقة المسيطرة في لبنان التي تقتسم النفوذ وتحاول بالسلم أو بالحرب إعادة هذا التّقسيم لصالح هذا الطّرف أو ذاك) والتحليل المادّي الجدلي عليه أن يبحث في هذه المصالح الطبقية لفهم الصّياغة الإيديولوجيّة لهذه المصالح وبالتالي تجاوز المظهر الذي يتخذه الصّراع الطّبقي تمويها أو إخفاء نحو إبراز حقيقة وجوده والقوى الفعليّة التي تخوضه بما هو مسار معقد ومركب.
والحرب بشكل عام لا يمكن أن تكون خاضعة لـ"بنية فكرية" أو "مفاهيم فكرية" كما تقول الوثيقة، بل إلى واقع مصالح مادية هي مصالح البرجوازيات المتناحرة (قانون المنافسة) وهي في ذلك تجسيد للميكانيزمات التي يشتغل النّظام الرّأسمالي بها، وبها يكون تدمير البروليتاريا موضوعيا وذاتيا، وهو الحل المتجدد لتجديد رأس المال وإعادة إنتاج هيمنة ممثله التّاريخي : البرجوازيّة.
فالقول بأن الحرب تخضع لـ"بنية فكرية"، إضافة لكونه قولا لا يضيف شيئا لمعرفتنا حول الحرب بما يتضمّنه من لبس وغموض، فإنه انحراف منهجي لصالح المنهج المثالي الذي يعتبر الفكر محددا للواقع وليس العكس، أي أنّه يحاول فهم الواقع من خلال الأفكار التي ينتجها، لا فهم الأفكار من خلال الواقع الذي هو الأساس المادّي لهذه الأفكار. لذلك علينا أن نميز بين وحدة الآلية العامة لإنتاج الحروب والوجوه الإيديولوجية التي تلبسها هذه الحروب والتي لا تتشابه إلاّ من ناحية أن الوقود الحقيقي لهذه الحرب (البروليتاريا) واحد. بهذا المعنى يمكن أن نفهم تشابه الخطاب الإيديولوجي وآلية اشتغاله التعبوي الذي تتعاطى به البرجوازيّة "المحلية" في تأطير جماهير "بروليتاريتها"، ونفهم تشابه الخطاب الناصري بالخطاب البعثي بخطاب حزب الله، وتداخل الحدود بين هذه الخطابات، لنرى توحّدها الحالي في خطاب قومجي إسلاموي هو التعبير الفاضح لقدرة إيديولوجيا الطبقة المسيطرة على التلون والتمطط والوصول إلى حدود المسخ المبدئي، ذلك أنّ للبرجوازية مبدأ واحد ودائم هو الرّبح والرّبح الأقصى هو التضحية بآلاف مؤلفة من البشر من أجل مزيد تكديس الثروات.
ولعلّ الانحراف المنهجي الذي حكم هذه الوثيقة، والذي أعاقها عن فهم حقيقة الحرب، كما أعاقها عن كشف الرداء الإيديولوجي الذي تلبسه وقائعها وفاعلوها وأهدافها ومصائرها، قد دفعها إلى توصيف غريب لما يسمّى بـ"النّظام العربي" حيث اعتبرته "نظاما يعتمد على الطوائف" بينما الواقع هو أنّ الأنظمة العربيّة بما فيها النّظام اللّبناني إنّما لا تعدو أن تكون أنظمة سيادة البرجوازيّة. والطائفية والتقسيم الطائفي ليس سوى ذلك التّشويه الإيديويوجي لواقع الانقسام الطّبقي ذاك أي تغييبا إيديولوجيا وطمسا لحقيقة الصّراع الطبقي ومنع البروليتاريا من اكتشاف/وعي نفسها كطبقة.
والحقيقة أنّ البرجوازيّة، في إطار تجديد هيمنتها الطبقيّة، إنّما تعمد إلى إخفاء نفسها كطبقة بأن تبرز مصلحتها الطبقيّة الخاصّة كمصلحة عامّة (مصلحة الوطن، مصلحة الطائفة، مصلحة العرق...) وأن تبرز حربها على أنها حرب وطنيّة أو قوميّة أو حرب من أجل حماية الحضارة المتمدّنة ضدّ حلف الشرّ والإرهاب... إلخ، لذلك ليس غريبا أن يعلن صدّام أنّ "أم المعارك" هي معركة الأمّة العربيّة الإسلاميّة ضد الصليبيين الجدد، ولا غريبا أن يدعم بوش هذا التّزييف الإيديولوجي بأن يؤكّد (بزلة لسانه الشهيرة) أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة تخوض حملة صليبيّة جديدة. هكذا يتّفق الأعداء على تمويه معركتهما وإظهارها على غير حقيقتها، لسبب بسيط وهو أنّهم جميعا يستعملون البروليتاريا (سواء ألبسوهم أزياء عسكريّة أم مدنيّة) كوقود لحربهم، ولذلك فإنّهم يتفقون موضوعيا على تغييب حقيقة الصّراع (الحرب موضوعيا هي صراع البرجوازية ضد البروليتاريا) حتّى لا يتعرّف هذا الجزء من البرولتاريا على إخوانه في الخندق المقابل. وليس غريبا أيضا أن يزعم حسن نصر الله أن مواجهته للآلة العسكريّة الصهيونيّة إنّما بالوكالة عن الأمّة جمعاء، وليس بالوكالة عن النّظام السوري والإيراني في إطار الصّراع من أجل اقتسام وإعادة اقتسام النّفوذ الإقليمي، لكن لنعد إلى مصطلح "البنية الفكريّة" الذي اتّخذته الوثيقة كأساس لفهم آليات الحرب الحالية، ليتحوّل في الأخير إلى جوهر ميتافيزيقي "لم يعد بحاجة حتى إلى إسناد سلطة ما لوجوده" وكلّ القوى الاجتماعيّة لا تفعل سوى "إعادة إنتاج هذه البنية الفكريّة" المتعالية عن الواقع، بحيث لم يعد من الممكن الخلاص من هذا الوحش البنيوي إلاّ بفرض "موضوعات ومقاربات (فكريّة طبعا) من زاوية فكر نقيض للفكر السّائد". لكن إذا كان هذا الفكر السائد سائدا "منذ قرون"، وهو تعبير عن "قوى سائدة منذ قرون" هي أيضا بلا تغيير ولا تبدل يستحقّ الذّكر، فأيّة معجزة يمكن أن تقوم بها "الموضوعات والمقاربات من زاوية فكر نقيض حتى تقدر على تغيير هذا الجسم الميتافيزيقي القابع فوق التاريخ، بل أية قوى اجتماعية تستند إليها هذه الموضوعات والمقاربات، إذا كانت كلّ القوى الإجتماعيّة لا تفعل سوى "إعادة إنتاج هذه البنية الفكريّة"؟
ليس غريبا، بمثل كذا منهج، أن لا نرى في الواقع سوى "جماهير" هلامية، هي "مادة خام للزّعيم أو المفتي"، وأن لا نرى في الصراع الطبقي سوى "مظاهر هذه البنية"، وأن لا نرى في الحرب سوى "مشهد مكرّر" لم يعد يستثير مثقفا باحثا عن "مؤسسات مدنيّة" أو "منظمات جماهرية "ليستعيد بها" مواطنته ضمن مرجعية تقطع مع المرجعية العرقيّة والطائفيّة المذهبيّة والدّينيّة. ولأنّ "مشهد الحرب" قد صار مملاّ ومكرورا حقّا، فلا فائدة لهذا المواطن أن ينغّص حياته بالبحث عن مرجعيّة خارج مرجعية مواطنته بالذّات، أي عن ذرته الفردية الخالصة من كلّ شوائب طبقية. ولأن "مشهد الحرب" لم يعد مسليا بالمرّة، فلا حرج بالنسبة لهذه الوثيقة (إن كان بوعي أو بغير وعي كلاهما أخطر من الآخر) أن لا يرى في "مشهد الحرب" هذا، الوجه الحقيقي للنّظام الرّأسمالي (في أكثر نماذجه دموية) بما هو نظام تأسس وساد ويسود في مستنقع همجيته، أي أنه وعلى عكس ادعاءات منظريه الايديولوجيين ليس واحة حرية ينعم فيها أفراده بحق تقرير مصائرهم ضمن "مؤسسات مدنيّة" بحوار حرّ خال من كلّ ضغينة طبقيّة، بل هو نظام البربريّة والحروب والمجاعات والفقر... وليس غريبا أن تختفي من "مشهد الحرب" الذي تقدّمه الوثيقة الآلة الحربيّة الصّهيونيّة بما هي الأداة المتقدّمة لحماية المصالح الامبرياليّة في المنطقة وتحشد آلاف مؤلفة من البروليتاريا في كنتونات من الملاجئ وتجرب فوق رؤوسهم أحدث تقنيات التّدمير والقتل. ذلك أن المنطق الذي يقود هذه الوثيقة إنّما يستبطن تمجيدا للنموذج الرأسمالي "الغربي" في تكريسه "للمواطنة" و"المجتمع المدني" و"المؤسّسات المدنيّة"، وما التخلف والاستبداد والطائفيّة والعرقيّة إلاّ منتجات لأنماط إنتاج ما قبل رأسمالية، قروسطية، إقطاعية... إلخ، و"البنية الفكريّة"المتخلفة لمجتمعاتنا ليست سوى منتج قديم "منذ قرون" لقوى اجتماعية سائدة "منذ قرون"، والرأسمالية (كنظام اجتماعي) براء منها، بل هو سمة من سمات "فكر شرقي" أو "عقل عربي" متجوهر ثابت في "بنيته الفكريّة" الثابتة. هذا المنطق لا بدّ له أن يخفي طبعا، أن الدّيمقراطيّة (المؤسّسات المدنيّة" و"المنظّمات الجماهرية") هي في حقيقتها التّاريخيّة نظام سيطرة رأس المال، وأنّ الحرب ليست استثناء بالنّسبة لهذا النّظام، بل قاعدة من قواعد اشتغاله، وأن التخلف والهمجيّة والمجاعات والمجازر والاستبداد والفاشية والديكتاتوريّة إنّما هي لازمة من لوازم النّظام الدّيمقراطي، أي نظام الاستغلال الطّبقي، لكن ذلك لا يمكن رؤيته إلاّ من زاوية عالميّة رأس المال ونظامه. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم مقولة جورج لوكاتش "لا يمكن فهم العالم إلا ككلية وإن ذاتا ليست كلية بذاتها غير قادرة على فهم هذا العالم" (التاريخ والوعي الطبقي) فمقولة "العالم المتقدّم" و"العالم المتخلف" أو "المدنيّة هناك" و"الهمجية هنا" "الديمقراطية هناك في المركز الرّأسمالي" و"الاستبداد هنا في الأطراف الماقبل رأسمالية" "المواطنة الحقيقيّة هناك" و"القطيع الزعيم ..... هنا"، حتى وإن كانت تعكس واقعا موضوعيّا (فالتقسيم العالمي للعمل هو واقع موضوعي فعلا، على أساسه تقوم التكتّلات الرّأسمالية العالميّة الكبرى بدور الحارس العالمي للنظام الرأسمالي، وبالتالي السيد الأوّل فيه) فإن (هذه المقولة) تستند إلى رؤية ميكانيكيّة لحركة رأس المال، لا ترى في هذه الحركة إلا تطويرا لقوى الإنتاج، أي جانبها "التقدمي"، ولا ترى الوجه الآخر الضّروري لوجود رأس المال كنظام اجتماعي، أي تدمير القوى المنتجة الدائم، بل إنها عادة ما تنسب عملية التدمير تلك إلى نمط إنتاج ما قبل رأسمالي، إقطاعي، متخلف استبدادي،... إلخ، وحتى إن واجهتها صعوبة من نوع ظهور الفاشيّة، والميز العنصري والديكتاتوريّة... داخل "البلدان المتمدّنة" فإنّها لا ترجع ذلك إلى الرأسماليّة نفسها، بل إلى الجانب "المنحط فيها" أي "الامبريالي" "اليميني" "المجحف"، "النيوليبرالي"، "العولمي المتوحش" ... إلخ
ومقولة "البنية الفكريّة"، أو كما هو رائج لدى المثقفين "الاستبداد الشرقي" إذ ينسب كل الوجه الأسود للنّظام الرأسمالي للأنماط السابقة له، وبالتالي تبرئته من جرائمه (التخلف واحد من تلك الجرائم)، إضافة لنتيجتها المنطقيّة، وهي تمجيد الرّأسماليّة، فإنّها لا تدرج منظومة الأفكار السّائدة ضمن الواقع التاريخي الفعلي، بل إلى "بنية فكرية" متعالية، لا تاريخيّة، ليكون بذلك فكر الخميني هو هو فكر علي ابن أبي طالب وشيعته، والحرب الحالية هي هي حرب صفين. ولا جديد في أرض الواقع ولا جديد في سماء الفكر، ليتحول التاريخ إلى حركة جواهر ميتافيزيقية في "مشهد متكرّر"، هو تعبيرة من تعبيرات الفكر الميتافيزيقي الذي لا يرى في الحركة سوى استثناء عابر في السكون الكوني العام، وحتى إن أقرّ بتلك الحركة، فهي بالنّسبة له مجرد تتابع ميكانيكي للأحداث لا يتمايز فيه اللاّحق عن السابق إلا بذلك التراتب الزمني، واللاحق ليس سوى استعادة لذلك السابق، لتلك "البنية الفكريّة" الثّابتة.

خاتمة :

يتّضح من الملاحظات السّابقة، في محاورة مع هذه الوثيقة، أن اختلافنا مع صاحبها ليس مجرد اختلاف ثانوي في تقدير معطيات حدث (الحرب في لبنان) ولا في تقييم هذا الموقف أو ذاك، أو هذا الطّرف أو ذاك، بل إنّنا نرى أنفسنا نقف على أرض أخرى غير التي تقف عليها هذه الوثيقة، وأننا نتناقض كليا مع المنهجية التي اعتمدتها، ولا نرى لهذه الهوة المنهجية التي تفصلنا ما يمكن ردمه، أو تجاوزه بمجرّد تعديلات هنا أو هناك، أو بتغيير هذا التفصيل أو ذاك، وهذا ما يدعونا للإقرار بأن مصالحة بين هذين المنهجين عملية مستحيلة, إلاّ بتلفيق لا نراه لائقا بنا ولا بصاحب الوثيقة نفسه. وهذا طبعا, ليس مسألة إرادية بل لأنّه, وببساطة, لا يمكن المصالحة بين المنهج المثالي بكلّ تفريعاته والمنهج المادّي الجدلي، لسبب بسيط أيضا، أنّ هذين المنهجين يعبران عن وجهتي نظر طبقيّة غير قابلتين للمصالحة.
قبل أن نختم، وجب التّنبيه إلى أن هذه الملاحظات النّقديّة لم يكن رهانها تقديم قراءة تحليليّة لحرب لبنان من حيث الدوافع والمسار والنتائج ولا من حيث الاستنتاجات الخاصّة التي يمكن الخروج بها، ولا بموقع البروليتاريا فيها فاعلا أو مفعولا به، ولا بالمهام المناطة بعهدة القوى الثّوريّة في مواجهة هذه الحرب، ذلك أنّنا نرى هذه المهمّة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال (من زاوية النّضال الثّوري) أن تكون عمليّة فرديّة، هي مظهر من مظاهر الحرفيّة، بل إنّها غير قابلة للإنجاز إلاّ في سياق نضالي أي جماعي ومنظّم، ذلك أن قدر الفكر الثّوري أن لا ينمو إلاّ في سياق النّضال الطّبقي الثّوري، في عمليّة جدليّة غير قابلة للفهم بين الممارسة الميدانيّة وقفاها الجدلي الممارسة النظريّة.
"La coïncidence du changement des circonstances et de l'activité humaine ou de l'auto-transformation ne peut être conçue et comprise rationnellement qu'en tant que pratique revêlutionnaire" (Marx)

رقن في 28 نوفمبر 2006