Sunday, February 18, 2007

نقد المنهج بدون منهج 2من3

نتناول بالتعليق الجزء الثاني من النص: المظهر والآليات، نقد المنهج.

جاء في النص المذكور "يمكن اعتبار تعريف حزب الله بأنه حزب طائفي (...) و هو من باب الإقرار بما يقوله الحزب عن نفسه، أي كمدافع عن طائفة ما
لنقرأ ما يقوله هذا الحزب عن نفسه في "ميثاق حزب الله" حيث جاء ما يلي
من نحن وما هي هويتنا؟
أيها المستضعفون الأحرار.. إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره: شخصيات ومؤسسات، أحزاباً ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية.. ولا نستثني أحداً؛ لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع، فيفهموا مقالتنا، ويستوعبوا طروحاتنا، ويتدارسوا مشروعنا. إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم التي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء بهدف تفريغها من مضمونها الرسالي الذي أنعم الله به عليها لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وبهدف استلاب خيراتها وثرواتها واستثمار طاقاتها وكفاءات أبنائها، والسيطرة على كافة شؤونها. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله.. مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة. وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً.. بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام الذي أكمل الله رسالته على يد خاتم أنبيائه محمد ) صلى الله عليه وسلم ( وارتضاه للعالمين ديناً يتعبدون به؛ إذ قال في القرآن الكريم:{اليّوًمّ أّكًمّلًتٍ لّكٍمً دٌينّكٍمً وأّتًمّمًتٍ عّلّيًكٍمً نٌعًمّتٌي ورّضٌيتٍ لّكٍمٍ الإسًلامّ دٌينْا} [المائدة: 3]. ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفليبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرك لمواجهته انطلاقاً من واجب شرعي أساساً، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد. أما ثقافتنا فمنابعها الأساسية: القرآن الكريم، والسنّة المعصومة، والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا.. وهي واضحة غير معقدة وميسرة للجميع دون استثناء، ولا يحتاج إلى تنظير أو فلسفة، بل جل ما تحتاجه هو الالتزام والتطبيق. وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلَنَّ أحد حجمها، وإذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إن كل واحد منا هو جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد، وكل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد والله هو من ورائنا...(من ميثاق حزب الله

ما يقرّه الحزب عن ذاته مما جاء في ميثاقه أنه حزب أمميّ. و هو لا يقر بأنه حزب طائفي كما يتوهم صاحب المقال.
فالوثيقة التي تناولها صاحب المقال بالتعليق لم تتطرق لمسألة موقع حزب الله في المجتمع اللبناني ولم نتناول هذا الموضوع بالبحث أصلا.بل كان موضوع الوثيقة المذكورة "حرب حزب الله" يتناول بالتحليل موضوعا محددا و هو موقع حزب الله في إدارة الحرب. المنهج يفرض علينا تحديد موضوع بذاته وتحليله بمعطياته و لا يفترض أن تكون الأحداث الموضوعية كالحرب في لبنان أو الحرب الأهلية في فلسطين أو في أي مكان آخر مناسبة لإعادة إنتاج مقولات عامة حول الحروب دون تناول ذلك الحدث بذاته بالتحليل.
فلو أن هذه المقولات لديها مردود فعلي لما تمكن حزب الله من كسب كل ذلك الود والتعاطف معه ولما تحولت العمامة إلى رمز لقيادة التحرر الوطني، ليس عند العامّة فقط ولكن لدى أغلبية ساحقة من مدّعي فهم التاريخ فهما ماديا، و هذا ليس في لبنان فقط بل في العديد من بلدان العالم. إن علينا تحديد مواضيع الدعاية و التحليل بدقة و تحديد من نتوجّه لهم بتلك الدعاية. و حين نحدّد لمن نتوجّه علينا إدراك كيفية تعاطي أولئك مع الأحداث. فعدد من هؤلاء يتوهم أنه يتبنى التحليل المادي للتاريخ و لكن،بالنسبة لهم ذلك لا يتعارض مع مباركة الأحزاب الطائفية لقيادة المقاومة ضد الإمبريالية أو قيادة الأحزاب الدينية لحركات التحرر الوطني، و قد أصبحت هذه الظاهرة (ظاهرة مباركة الأحزاب الدينية) أمرا بديهيا لا يتم التساؤل بشأنها أصلا، لماذا؟ لأنها تقاوم أمريكا و الاستعمار.
إن الحديث مع فاقدي الوعي الطبقي بمصطلحات مثل "الحرب طبقية" و بنفس الأسلوب و في كل المناسبات حوّله إلى خطاب ساكن لا يقدم بأي شكل من أشكال الوعي الطبقي.
و أحد هذه النماذج هذا النص الذي نتناوله بالتعليق حيث أنه لا يجهد نفسه للتعاطي مع نص "حرب حزب الله" و ما جاء به من مقولات لنقدها بل يطوع النص إلى مقولاته الجاهزة و الثابتة. وليست له القدرة على المسك بالموضوع بمعطياته الموضوعية على الأرض لتجد تلك المقولات العامة ( من نوع "الطائفة ليست كلا متجانسا"، " حزب الله لا يمكن أن يكون إلا معبرا عن مصالح طبقية"، "التحليل المادي الجدلي عليه أن يبحث في هذه المصالح الطبقية" إلخ...) تجسيدها الفعلي.
و لتقريب الصورة فإنه لا يمكن لأي عالم في الفيزياء إقناع مطالبيه بكيفية صناعة قنبلة نووية باستعراض كل قوانين الفيزياء في مجال الذرة. إن القول مثلا" أن الطائفة ليست كلا متجانسا" فحزب الله ذاته يقرّها ويستمد قوّته من كونها ليست كلا متجانسا.
إن الوهم بأننا امسكنا بتلابيب حزب الله أو أنه بإمكاننا تقليص نفوذه بمجرد الحديث عنه على أنه يمثل مصالح طبقية و ما إلى ذلك يعد بحد ذاته تمويها إيديولوجيا على الذات.
إن سيطرة المقولات الجاهزة الصالحة لكل زمان ومكان دفعت به إلى عدم التعامل مع النص المراد نقده بل إلى صناعة نص من عنده ليتمكن من دحضه حيث يذكر صاحب النص "و الحرب بشكل عام لا يمكن أن تكون خاضعة لبنية فكرية أو مفاهيم فكرية..."
ما جاء بالوثيقة هو التالي "....أما البنية و المرجعيّة الفكريّة لقيادة كلّ هذه الحروب فهي واحدة... فالحرب الحاليّة تعـتبر مشهدا مكرّرا إذا ما اعتبـرنا أنّها تخضع لنـفس البنية الفكريّة و كـلّ المفاهـيم المرتبطة بهذه البنية بالذّات و هي نفس البنية التي تدير هذه الفصول من معركة الشرف والكرامة " فمن الواضح أننا نتحدث عن إدارة الحرب من قبل حزب الله و كيفية إدارته لها. فإدارة الحرب جزء من الحرب ذاتها و جزء من سياسة مديري الحرب و لقد ذكرنا في النص الكيفية التي تدار بها الحروب و التي ترتبط ببنية فكرية محددة فلا يمكن لأي شخص عاقل أن يستنتج من هذا الكلام بأن البنية الفكرية هي التي أنتجت الحرب. و حتى داخل فصول المدارس الابتدائية و رياض الأطفال وفي مناهج التعليم الديني يقرّون بأن للحرب أساسا ماديا. فصاحب النص يفتعل قضية للاستنجاد بمقولات عامة ويمارس القفز عاليا بعبارات من نوع "...إلى واقع مصالح مادية هي مصالح البرجوازيات المتناحرة ... و هي في ذلك تجسيد للميكانزمات التي يشتغل النظام الرأسمالي بها" لكن كيف ذلك؟ ومن هي هذه البرجوازيات المتناحرة في لبنان؟ و كيف يتمّ تجسيد هذه الميكانزمات؟ و ما موقع حزب الله من هذه "البرجوازيات" التي يتحدث عنها؟ وما هو موقع البروليتاريا (التي هي موضوع تدمير موضوعي وذاتي فقط حسب صاحب المقال) في هذه الحروب؟
إن صاحب النص لا يسائل نفسه لماذا تلجأ هذه "البرجوازيات" في إدارتها للحروب إلى بنية فكرية قروسطية، فبالنسبة له الإجابة بسيطة للغاية: للتمويه الإيديولوجي. و لم يكون التمويه الإيديولوجي بالفكر القروسطي بالذات؟

الانحراف لصالح المنهج المثالي؟
جاء في النص "المنهج المثالي الذي يعتبر الفكر محددا للواقع أي أنه يحاول فهم الواقع من خلال الأفكار التي ينتجها"
إن الخلاف بين التصور المادّي للتاريخ والتصور المثالي هو حول أسبقية الفكر على المادة أو المادة على الفكر و ليس حول موضوع هل أن الواقع يحدد الفكر أو أن الفكر يحدد الواقع. فالتصور المادي للتاريخ يقرّ بأسبقية المادة ليس نكاية بالتصور المثالي بل الأمر متعلق بموضوعية الأشياء المراد بحثها أو درسها. ونعني بذلك أن العالم الخارجي موجود بشكل موضوعي ومستقل عن الإرادة الذاتية و الخلاف الأساسي بين التصور المادي و المثالي. هذه بالضبط مسألة موضوعية الواقع و نعني بذلك من وجهة نظر الماديين: الواقع مستقل عن الذات، عن الإرادة، في حين أن المثاليين لا يتعاطون معه كواقع مستقل بقدر ما هو واقع منتج ذاتيا.
أما اختزال اختلاف المادية مع المثالية في موضوع الفكر من خلال الواقع أو الواقع من خلال الفكر (أي واقع؟ فالمشكلة في تحديد الواقع) فللمثالي واقعه كذلك. إن اختزال مقولات فلسفية على هذه الصورة من التبسيط يضاهي التعاطي بنفس الكيفية مع شخص حقيقي ومع تمثال له من الجبس (وهو ما يحدث فعلا في البنى الفكرية التقليدية).
إن الفكرة القائلة بفهم الواقع من خلال الأفكار أملتها ضرورة تبسيط موضوع معقّد ليصبح في متناول الجميع و لتقريب صورة التصور المادي للتاريخ من أذهان الناشئة لكن الحقيقة أن هذه المسألة (علاقة الواقع بالفكر والفكر بالواقع) على غاية من التعقيد في المجال المعرفي و الفلسفي.
إن القول بأن لجميع الأفكار أساس مادي اعتراف من قبل التصور المادي للتاريخ للعلاقة المعقدة بين البنية التّحتية و البنية الفوقية. فالبنية الفوقية لديها أساس مادي يعني بالضبط أن لهذه البنية الفوقية نوعا ما من الاستقلال عن البنية التحتية و إن للبنية الفوقية تأثيرا على البنية التحتية (أما مدى هذا التأثير و كيفيته فهو أمر بحث فيه العديد من المهتمين بنظرية المعرفة و منهم بالخصوص جورج لوكاش) و هذا ما حدا بماركس إلى القول "إنه في آخر التحليل يكون العامل الاقتصادي هو المحدّد."
إن الماركسية في حد ذاتها جزء من البنية الفوقية باعتبارها إنتاجا معرفيا أنتج أدواته المعرفية و أدواته الخاصة للتعاطي مع التاريخ و الواقع و باعتبارها فلسفة للتغيير و ليست مجرد أداة للتفسير أو الفهم. فالقول بأنها فلسفة للتغيير إقرار بدور البنية الفوقية في تأثيرها على البنية التحتية.
إن فهم علاقة البنية أو البني الفكرية بالبنية التّحتية ليس بالأمر الهين الذي يمكن اختزاله بنظرية الانعكاس (الأفكار انعكاس للواقع) و نحن نستغرب من كون صاحب النص استشهد بجورج لوكاش الذي كان أول من أسس لدحض هذا التبسيط و بالتحديد في الكتاب الذي ذكره صاحب النص: "التاريخ و الوعي الطبقي"، فعلى مدى ما يزيد على الستين صفحة تناول جورج لوكاش هذا الموضوع بالذات وبدقة جعلت العديد من الفلاسفة الماركسيين في عصره ينعتونه بالمثالي.
إن مقال "حرب حزب الله" تناول في جزء دور البنية الفكرية التقليدية في الإبقاء على بنية اجتماعية ما قبل رأسمالية و هذه البنية الفكرية التقليدية تقيم الدليل على قدرتها على إخضاع ملايين البشر لتصوراتها وقدرتها على تطوير نفسها لمحاربة خصومها وفرض أجندتها و هذه القوة لا يمكن تفسيرها بقدرة إيديولوجيا الطبقة المسيطرة على التلون والتمطط كما ذكر صاحب النص بل باستنادها على بنية اجتماعية تقليدية ما قبل رأسمالية.
إننا نلاحظ ونعايش يوميا تعاطي مختلف البنى الفكرية مع الظواهر الاجتماعية، إذ أن البنى التي أساسها المادي علاقات إنتاج رأسمالية تتعاطى بشكل يختلف نوعيا عن الكيفية التي تتعاطى معها بنى فكرية أساسها بنى ما قبل رأسمالية. و لعل المثال الدال على ذلك حدث ما عرف بالرسوم المسيئة فقد هب ملايين الناس في مظاهرات صاخبة للتشهير و جُوبه شكل هذا التعاطي بنوع من الاشمئزاز في مجتمعات قطعت مع هذا النمط من التفكير التقليدي. فهؤلاء المتظاهرون لا تستفزّهم الإساءة التي يتعرضون لها يوميا ولا يخرجون في مظاهرات للتشهير بذلك.
إن تفسير هذا الاختلاف في التعاطي باعتباره مجرد "تشويه إيديولوجي لواقع الانقسام الطبقي"يعدّ صناعة ذهنية بحتة لواقع بديل عن الواقع الموضوعي.
كان على صاحب المقال أن يجهد نفسه بالاعتماد على "منهج غير منحرف" ليقدّم لنا حقيقة الحرب ويكشف لنا "الرداء الإيديولوجي الذي تلبسه وقائعها ومصائرها وأهدافها" باعتبار أن نص "حرب حزب الله" لم يطرح على نفسه أصلا هذه المهمة وبالتالي فهو لا يمكن اعتباره معيقا لفهمها.
"...بينما الواقع هو أن الأنظمة العربية بما فيها النظام اللبناني لا تعدو أن تكون أنظمة سيادة البرجوازية" هل أنه فعلا يكفي أن نقول "إن الواقع كذا" ليصبح الواقع فعلا كذلك؟ إن صاحب النص يتحدث عن واقع ذهني لا عن الواقع الموضوعي المستقل عما نريده.
فأي معايير اعتمد صاحب النص للحديث عن البرجوازية؟ و هل أن مصطلح برجوازية يقع استعماله كمصطلح من مصطلحات علم الاقتصاد السياسي الماركسي أم كما يستعمله العامة (لديهم أموال وأملاك كثيرة)؟ وأي معايير اعتمدت للحديث عن سيادة البرجوازية؟ اعتبارا أن سيادة البرجوازية تمارَس (بفتح الراء) عبر شكل الدولة.
فلنفترض لبرهة أن النظام العربي هو نظام سيادة البرجوازية، فكيف لنا أن نفهم كل سلوكيات هذه البرجوازية في ممارسة سيادتها؟ فممارسة هذه البرجوازيات المفترضة لسيادتها أو للسلطة لا تمتّ بصلة و لا تلتقي و لو في نقطة واحدة مع مثيلاتها من البرجوازيات عبر التاريخ (الماضي و الحاضر).
فالبرجوازية تمارس سيادتها في أوروبا – مثلا – عبر دولة مركزية و وفق نظام سياسي له آلياته المحددة و الواضحة عبر دساتير تعكس موازين قوى بين مختلف الطبقات والفئات و يقع تسيير شؤون المجتمع عبر قوانين وضعية غير ثابتة. و بشكل مكثف نقول إن البرجوازية تمارس نفوذها الطبقي عبر مؤسسات، ولهذه المؤسسات القول الفصل في إدارة كل التناقضات الطبقية سواء كان ذلك فيما بين الطبقات السائدة أو فيما بين الطبقات السائدة و الطبقة العاملة. أما سيادة البرجوازية لدينا فهي عبر رؤساء مدى الحياة يورّثون الحكم لأبنائهم و الدولة غنيمة وشأن خاص بالعائلة. فالدستور من وحي الحاكم ومن اقتراحه وحتى جنسية المواطن ملك للزعيم، فالزعيم يمارس سلطانه عبر أعيان القبائل والعشائر و لعل من أبرز الأمثلة الدالة أن حسين كامل صهر صدام حسين (زوج ابنته) بعد عودته من الأردن، و ذلك بعد فراره إثر خلاف، نفّذت عشيرته فيه حكم الإعدام باعتباره خائنا فعقاب خيانة الوطن من مهام العشيرة (عاشت سيادة البرجوازية).
ولنتأكد من سيادة هذه البرجوازية ذات الطراز الخاص يمكن قراءة دساتير عديد البلدان (لبنان، مصر...) إن صاحب النص يعالج هذه المسائل باستعمال "ليس غريبا أن صدام... ليس غريبا أن نصر الله" لكن ذلك يصبح فعلا غريبا (مع العلم أننا نستعمل هنا غريبا بمنطق التاريخ) إذا ما كانت هذه هي سيادة البرجوازية. قد تكون برجوازية ولكن لم تنتج بعد المفاهيم المعرفية للإحاطة بخصائص هذه البرجوازية الغريبة.
إننا نرى صديقنا ينتفض من هذه المقارنة بين سيادتين مختلفتين نوعيا في الفضاء و لكن لا بأس من مقارنة أخرى: فالبرجوازية تسعى بكل الوسائل لتوحيد أوروبا وتؤهل اقتصاديات عديد البلدان (رومانيا، بولونيا،...) لهذا الغرض، أما سيادة البرجوازية لدينا فهي تسعى إلى تحويل العراق إلى ثلاثة و الصومال والسودان كذلك وبلدان أخرى كثيرة على الطريق.
إن كل هذه المواضيع تعتبر بسيطة من وجهة نظر البنية الفكرية التي تحدثنا عنها في نص "حرب حزب الله" و التي من زعمائها القرضاوي و فيصل القاسم اللذين يعتبران أن ما ألمّ بهذه المجتمعات إنما تم بفعل المتآمرين على أمة العرب و الإسلام.
أما من كيّفوا الماركسية لبنيتهم الفكرية ويتعاطون مع الفلسفة الماركسية كتواصل طبيعي لبنية فكرية تقليدية وليس كمعرفة للقطع مع هذه البنية، فإنهم يتوصلون إلى نفس النتائج حيث تصبح هذه المصائب من فعل البرجوازية و يافطاتها ومغالطاتها. فكلا الطرفين الإسلامي و"المادي" يعتقد أنه شخّص الواقع وظفر بما يريد ولكن مع فارق ذي أهمية: إن الطرف الإسلامي مصيب في تشخيصه أكثر من الطرف الثاني الذي ينهل من نفس البنية الفكرية معتقدا أنه يقاومها.
فالماركسية كنظرية للتغيير الثوري و كفلسفة لفهم الكون استمدت قوتها تاريخيا من قدرتها على استيعاب كل معارف عصرها فكانت في نفس الوقت تواصلا و قطعا مع كل المعارف و اعتمدت على إنتاج غزير من المقاربات في ميادين الفلسفة، في الاقتصاد السياسي و العلوم السياسية...
لم تعتمد الماركسية في أي ميدان من ميادين المعرفة أو السياسة على المسلّمات أو الإيحاءات ولم تتساهل قطّ حيال جميع أنواع الثرثرة الثورية.

No comments: