Sunday, January 28, 2007

نقد المنهج بدون منهج 1من3



مقدمة

نتناول بالتعليق في هذا المقال النص المعنون : "الحرب في لبنان : المظهر و الآليات (نقد المنهج) "
يوحي العنوان و خصوصا لفظة "منهج" بكثير من الطمأنينة وذلك إذا لم نختلف حول المقصود من المنهج. فنقد منهج يستدعي بالضرورة الاعتماد على منهج. فالمنهج باختصار شديد هو مجموعة "التقنيات" أو الآليّات والطرق المعتمدة للإحاطة بإشكالية محدّدة لدراستها. إن المنهج لن يكون ذا فائدة إذا لم يقع تحديد الإشكالية بالدقة المطلوبة. إن تحديد الإشكالية بحدّ ذاته على علاقة وثيقة بدرجة التملّك من المنهج. والدليل على تملّك المنهج يتمظهر في الكيفية التي تطرح بها الإشكالية وطرق معالجتها. فأي منهج اعتمد صاحب النص المذكور؟ و هل وفّق في الاعتماد على المنهج الذي صرح باعتماده؟ و هل فعلا اعتمد منهج المادية الجدلية والمادية التاريخية ؟ إن تناولنا بالتعليق للنص المذكور سيمكّننا من الإجابة على هذه الأسئلة.

سيادة النظام الرأسمالي

نتناول بالتّعليق الجزء الأوّل من النص الذي شكل ظاهريا مدخلا عاما لبقية النص و قد اجتهدنا في البحث عن الرابط بين المدخل وبقية النص لكن دون جدوى حيث أن الرابط اقتصر على استعمال جملة "وبهذا الصدد" و أعني بذلك أن ما جاء بعد المدخل لم يكن تدقيقا وتخصيصا لجملة المسلمات و"الحقائق" التي ذكرت.
جاء في النص " الحقيقة أنه و بصيرورة النظام الرأسمالي نظاما سائدا..." هل علينا أن نسلّم بهذه الحقيقة؟ ووفق أي دراسة اعتمدت المادية التاريخية تمّ إقرار هذه الحقيقة؟ هل نسلّم بها على أنها أصبحت معطى بديهي ؟
إن صاحب النص انطلق من إحدى البديهيات أو المسلّمات لديه دون أن يكلّف نفسه عناء إحالتنا إلى مرجع أو بحث أو معطيات تجعلنا نتعاطى إيجابيا مع هذه "الحقيقة" . فلا المادية الجدلية ولا المادية التاريخية انطلقتا من "حقائق" بل من تحليل وتدقيق واستنتاج للوصول إلى حقائق موضوعية و هذه الحقائق الموضوعية بدورها ليست مطلقة بل ترتبط بجملة من الشروط المادية.
إن لصاحب النص التباسات عديدة حول مفهوم النظام الرأسمالي وبالتالي حول سيادة هذا النظام . فماذا يقصد بالنظام الرأسمالي الذي ساد؟ فإن كان يتحدث عن " النظام الرأسمالي" الذي تناوله ماركس بالتحليل في كتابه رأس المال، فهذا النظام ليس بسائد. ليس ذلك فقط فماركس لم يتناول بالبحث في "رأس المال" النظام الرأسمالي بل حلّل نمط الإنتاج الرأسمالي mode de production capitaliste . إذن فوفق المعايير الماركسية فإن هذا النمط من الإنتاج سائد في عديد الأماكن من أوروبا: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا... ومن أمريكا الشمالية وبعض مناطق آسيا. إن نمط الإنتاج الرأسمالي سائد في هذه الأماكن وليس محلّ جدل بين مختلف مدارس علم الاقتصاد السياسي. بل الجدل قائم في كيفية هذه السيادة بهذه البلدان. فنمط الإنتاج الرأسمالي في أمريكا لايختلف عن نمط الإنتاج الرأسمالي في فرنسا، لكن النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي سائد في أمريكا يختلف عنه في فرنسا والتي يختلف نظامها الاجتماعي بدوره عن النظام الاجتماعي في السويد.
أما الادعاء بسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي في إفريقيا وفي آسيا فذلك يرقى إلى مستوى الحلم، فسيادة هذا النظام كونيّا يجعل من مهمات الشيوعيين مهمات يسيرة وواضحة ويجعل هذا النظام قريبا من نهايته. وذلك اعتبارا أنه وفق المادية التاريخية : لكي يسود نمط إنتاج ما فهو مضطر إلى تفكيك بنى اجتماعية وإعادة تركيب بنى اجتماعية أخرى تتفق مع تطور نمط الإنتاج الجديد. إن الحديث عن سيادة النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي يستدعي بالضبط توافق نمط الإنتاج الرأسمالي مع بنيته الفوقية (شكل الدولة، القوانين، الثقافة...)

الحرب ما بين البرجوازيات؟

جاء في النص " صارت الحرب لازمة من لوازمه ". إن الحرب ليست من لوازم النظام الرأسمالي بل ظاهرة الحرب مرتبطة بالمجتمعات الطبقية، من ذلك أن الرومان قاموا بعديد الحروب ولننتبه جيدا لما ورد بهذا النص
1. الحرب تجسّد القانون العام للنظام الرأسمالي.
2. و ما هو هذا القانون العام؟ إنها المنافسة.
3. الحرب توفر الحل المؤقت للأزمات المتعاقبة.
4. الحرب تجسد الهيمنة الطبقية للبرجوازية.

إن فهم آليات النظام الرأسمالي على هذا الشكل يجعله نظاما على غاية من الشقاء وشبيها "بالنظام الاجتماعي" الذي ساد في الجزيرة العربية في القرن السادس عشر حيث أنه بمجرد إخماد حرب بين قبيلة و قبيلة تندلع أخرى. و إذا كان النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي على هذه الصورة لتمكنت "الطبقة العاملة" العالمية (اعتبارا أن النظام الرأسمالي سائد بمنطق صاحب النص) من الإطاحة به بأقل الخسائر الممكنة. و لو أن هذا النظام على درجة من الوضوح (تتجسد كل قوانينه بالحرب) لما كلّف ماركس نفسه ما يزيد على عشرين سنة لكتابة "رأس المال" لتحليل القوانين التي تتحكم في نمط الإنتاج الرأسمالي وصيرورة هذا النمط من الإنتاج وفق شروط مادية محددة.
فإذا كان من البديهي أن نمط الإنتاج الرأسمالي هو نمط الإنتاج الفعلي منذ عقود في العديد من الأماكن وأصبح النظام الاجتماعي السائد بها، فذلك يعود إلى قدرته على التكيّف و على ديناميكية قوانينه الداخلية التي تحكمه، يعني باختصار أن قوة النظام الرأسمالي لا تكمن في قدرته على خوض الحروب بل تكمن في تحوّله إلى نظام اجتماعي. "فالحرب مواصلة للسياسة لكن بوسائل أخرى" و بالتالي فالحرب لا يمكن أن تجسد القانون العام للنظام الرأسمالي ولا الهيمنة الطبقية للبرجوازية بل شكل الدولة هو الذي يجسد الهيمنة الطبقية.
إن تفوق النظام الاجتماعي الرأسمالي يعود إلى عديد المعطيات المتداخلة و المعقدة وقدرته على توظيف المعرفة في جميع المجالات بالاعتماد على الإنجازات العلمية الكبرى فالحروب الحديثة التي تقوم بها النظم الرأسمالية تعتمد بشكل رئيسي العلم والتقنية والأبحاث و جميع فروع المعرفة (العلوم الاجتماعية والانسانية، علوم الإحصاء، علوم الفضاء...) و بشكل ثانوي على سواعد العمال. فصاحب النص يتحدث عن "التدمير الفيزيائي للفاعل التاريخي (البروليتاريا)" و كأنه يتحدث عن حروب القرن الثامن عشر وعن العمّال الذين يتحدث عنهم "زولا". فهو يتحدث عن حروب لا ترتبط بزمان أو مكان فقد ماثل بين جميع الحروب حيث يقول "إن الحرب الما بين برجوازيات إنما تخاض بيافطات إيديولوجية تتبدل وتتغير". إنه الحل السحري لفهم جميع حروب عصرنا: فهي حروب ما بين البرجوازيات إنما تخاض بيافطات إيديولوجية تتبدل وتتغير، فأي مدية جدلية ومادية تاريخية تسمح لنفسها بالحديث عن الحروب بهذه الطريقة؟ .
فهل يمكن اعتبارالحرب التي دارت سنة 1994 في رواندا و التي فاق عدد ضحاياها المليون شخص حربا ما بين البرجوازيات تحت يافطة عرقية ؟ هل يمكن اعتبار الحرب الأهلية الدائرة في السودان حربا ما بين البرجوازيات؟ وقائمة هذه الحروب طويلة نذكر منها: حرب في الكونغو، في ساحل العاج، في كشمير،... و حرب احتلال العراق في 2003 التي أثمرت حربا أهلية، هل كل هذه حروب ما بين البرجوازيات؟
إن المطّلع على أخبار كل هذه الحروب بإمكانه مساءلة صاحب النص لماذا ينخرط ملايين البشر في مثل هذه الحروب؟ هل نفسّر انخراط هؤلاء بقدرة البرجوازية على تعبئتهم تحت يافطات مختلفة كما ذكر؟ لا نعتقد أنه يروم هذا التفسير إذا اعتبرنا قوله :"فهم الأفكار من خلال الواقع الذي هو الأساس المادي لهذه الأفكار" إذن فما هو الأساس المادي لهذه اليافطات التي تحرك ملايين البشر في حروب أهلية؟ نحن أمام مأزق فعلي يتمثل في ما إذا كان النظام الرأسمالي نظاما سائدا لكنه يعتمد بشكل فعلي على يافطات سحرية تحرك عددا هائلا من "المغفلين" في حروب تستمر لعقود من الزمن و إن كانت هذه الطبقة العمالية العالمية على هذا القدر من الغباء فإنه يكون من الغباء طرح مهمة الثورة الشيوعية على هذه الطبقة .
نعتقد أنه من الأسلم اعتبار هذه اليافطات التي يتحدث عنها صاحب النص هو توافق البنية التحتية مع بنيتها الفوقية و هذه البنية التحتية لا علاقة لها أصلا بنمط الإنتاج الرأسمالي. إن انحصار هذه الحروب في أماكن بعينها: الصومال، أفغانستان، العراق ...، يعد الدليل المادي والقاطع على عدم سيادة النظام الرأسمالي، وعلى الصعوبات التي تعترض هذا النظام في مواجهة بني اجتماعية ما قبل رأسمالية، كان قد وظّف فيما مضى كل واحد منها الآخر واستثمره لدحر ومحاصرة نمط إنتاج بديل وهو النمط الإشتراكي.
إن ما ورد بالنص حول النظام الرأسمالي والحرب لم يكن نتيجة تفكيك و تحليل و استنتاج بقدر ما كان بدافع التشهير بما يعتبره صاحب النص نظاما سائدا. إن آليات عمل هدا النظام تعفيه من هذه المهمة العسيرة (التشهير) حيث خبراء ومختصون في جميع المجالات لا يوفرون جهدا للتشهير بفضاعات الحروب(سجن أبو غريب، مجازر البوسنة ،....) كما أنتجت مئات الأفلام والأفلام الوثائقية لتفضح المآسى التي سببها النظام الرأسمالي، آلاف الأبحاث والكتب نشرت بجميع اللغات حول هذا الموضوع ونذكر من ذلك .Tintin en Irak
إن الوهم بأن التشهير من شأنه تنمية الوعي الطبقي أو التوهم بأننا بصدد تقديم عمل ثوري ضد النظام الرأسمالي يتموقع بالضبط داخل بنية فكرية تقليدية لبنية اجتماعية ماقبل رأسمالية وهي البنية التي أشرنا لها في المقال "حرب حزب الله".(سيكون من المفيد الإطلاع على المقال الذي كتبه حكم البابا بعنوان "طريقا دجو آلبو.....)
.فالمماثلة بين كل الحروب على أساس أنها حروب ما بين البرجوازيات موقف مريح لأصحابه. فمن يمكنه تصديق أن الحرب التي يخوضها حلف الناتو في أفغانستان هي حرب بين البرجوازيات الغربية والبرجوازية الأفغانية؟ إن عدم القدرة على تفكيك وضع محدد بمعطيات موضوعية يدفع إلي "إنتاج" جملة من الشعارات بديلا عن إنتاج معرفة تقطع مع العموميات. إن العمل الثوري يقوم على تحديد مهمات دقيقة. إن صفة الثورية لا تكتسب بمدى التشهير بالنظام الرأسمالي والتبشير بالثورة الشيوعية الشيوعي.

- يتبع -

No comments: