14 مايو 2005
طريقا جو ألبو لتحسين صورة سورية إعلامياً حكم البابا*
إذا صح ما نشرته جريدة النهار اللبنانية قبل يومين حول تعاقد السفارة السورية في واشنطن مع جو ألبو ـ أحد أصدقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش القدامي ـ لتحسين صورة سورية السلبية في أمريكا، فأظن أن مشكلة صورة سورية الاعلامية في الخارج تكون قد حلّت نهائياً. خاصة وأن (السفارة السورية في سورية) ـ وهذا ليس خطأ مطبعياً ـ سبق لها أن افتتحت مركزاً إعلامياً في لندن وعهّدت تحسين صورة سورية أوروبياً إلي مديره الدكتور يحيي العريضي. ولم يبق أمام (السفارة السورية في سورية) سوى مهمة واحدة هي تحسين صورتها لدي مواطنيها في الداخل، وهي مسألة معقدة وشائكة، ليس بسبب غياب الحوار الوطني الذي تتحدث عنه المعارضة (المزعجة) علي طريقة مريم نور، وليس بسبب المادة الثامنة من الدستور السوري التي لا تعترف أن هناك قانوناً دولياً صدر بتحرير العبيد، وليس بسبب قانون الطوارئ الأبدي الذي أصبح من الثوابت المبدئية، إنما ببساطة لأن تحسين صورة سورية في الداخل لن يكون مأجوراً. فتحسين صورة سورية في الخارج، سواء في لندن أو واشنطن ستدخل فيه العملة الصعبة، ولابد لأحد ما أو لعدة آحاد ما أن (يلحسوا إصبعهم) على حد التعبير السوري الأشهر اليوم، وسيتوسط فيه هذا لذاك، بحيث تظهر صلة الرحم بأوضح معانيها!
وأنا هنا لا أعترض على الدولارات التي تقتطع من أموال الشعب السوري ليمول بها مركز إعلامي في لندن خطته في تحسين صورة سورية الإعلامية. هي نفس الخطة التي كان يعتمدها كل طالب عربي في دول المنظومة الاشتراكية سابقاً، عندما يرسب في مادة ما، فيعزي نفسه وأهله بأن أستاذ المادة يهودي، وهي كلمة مفحمة تختزل تاريخاً من حكم الأنظمة العربية لشعوبها، وحبة الصداع المهدئة والمريحة لكل الاخفاقات العربية. ولكني أعترض على الدولارات التي ستدفعها السفارة السورية في واشنطن، لشركة أمريكية يملكها جو ألبو لتحسين صورة سورية في أمريكا، لأنها تطبق المثل الشعبي (رزق الهبل ع المجانين) تطبيقاً حرفياً، وتضع السفارة السورية في واشنطن موضع الصعيدي الذي نزل إلي القاهرة واشتري الترامواي. وأتمني من الله أن لا تأتي نتائج تحسين صورة سورية في أمريكا علي يد جو ألبو، علي طريقة نتائج الرحلات المكوكية التي جالت بها الوزيرة السورية بثينة شعبان العالم لتحسّن صورة سورية، وتربط علاقات، وتعيد صلات، وتلتقي بنواب الكونغرس الأمريكي ذوي الأصول العربية، فكانت النتيجة صدور قانون محاسبة سورية بموافقة نواب الكونغرس ذوي الأصول العربية إياهم، والذي موّل الشعب السوري نفقات سفر الوزيرة شعبان للقائهم.
ثم لنكن حسني النية ونفترض أن المسألة جدية، وليست (سبوبه) لتحسين الدخل أو تأمين الشيخوخة، أو الاطمئنان علي مستقبل الأولاد والأحفاد، فما الذي سيفعله جو ألبو لتحسين صورة سورية؟
على طريقة قارئي البخت في فناجين القهوة سيجد أمامه طريقين. الأول هو الأسلوب السوري بأن يأخذ جزءاً من الدولارات التي لهفها من (الصعيدي السوري)، ويذهب إلي وزارة الخارجية والبنتاغون والكونغرس والبيت الأبيض، ليفتح درج الوزيرة كوندليزا رايس ويضع فيه رزمة معتبرة من الدولارات، التي ستتجاهل الآنسة كوندليزا قراءة عبارة الايمان بالله المطبوعة عليها، مكتفية بقراءة فئاتها، فتتغير لهجتها، وتذهب من فورها إلي قاعة المؤتمر الصحفي في وزارتها، بعد أن تقفل الدرج بالمفتاح، وتقول بغنج: يا عيني علي سورية، لقد شاهدت اليوم على الفضائية السورية برنامج (دليل سياحي) وأعجبت بسورية، وأنا لو لم أكن أمريكية لتمنيت أن أكون سورية.
وبعد أن يطمئن جو ألبو إلي أن الأنسة كوندليزا شفيت من الرهاب الأمريكي بالدواء السوري، سيخطف رجله إلي البنتاغون ويرسل ظرفاً إلى الوزير دونالد رامسفيلد مع مدير مكتبه. وبعد أن يعد رامسفيلد دولارات الرزمة، ويضعها بعناية في جيب جاكيته أمام قلبه مباشرة، تختفي نظرته الممتعضة، ويخرج باسماً من فوره، ليقول للصحافيين الجملة الشهيرة التي تزيّن بها مجلة (فنون) السورية كل أعدادها: لكل إنسان في العالم وطنان، الوطن الذي ولد فيه وسورية. ويضيف مرتجلاً بخروج واضح عن النص، بعد أن يتحسس رزمة الدولارات في جيب جاكيته، وبوحي منها: أما أنا فوطني الوحيد هو سورية.
وعندها سيطمئن جو ألبو إلى انتظام دقات قلب رامسفيلد وتوافقها مع دقات ساعة التلفزيون السوري، يغادر إلي الكونغرس، وُيخرج السيناتورة إليانا روس راعية قانون محاسبة سورية من الجلسة المنعقدة، ويضع في حقيبة يدها ظرفاً محشواً بالدولارات، فتعود من فورها إلى الجلسة وتسحب توقيعها عن كل مشروع قانون معادٍ لسورية، وتقدّم للكونغرس مشروعاً جديداً لاصلاح الكونغرس الأمريكي عن طريق الاستفادة من التجربة البرلمانية الفريدة في سورية، منوهة بوعي النواب السوريين ومستشهدة بمداخلة النائب محمد حمشو التليفونية التي تلاها عن (صدر وظهر وبطن) قلب في حلقة برنامج (الاتجاه المعاكس) التي استضاف فيها فيصل القاسم الدكتور عبد الرزاق عيد، والسيد كريم الشيباني الذي يجمع في شخصه ـ بمعجزة لا تحدث إلاّ في سورية ـ حزباً بكامله (أمانة عامة ومكتبا سياسيا ولجنة مركزية وأعضاء).
وسينهي جو ألبو جولته في البيت الأبيض.. ظرف لديك تشيني، عقد من الألماس للورا بوش، وكم دولار هنا، وكم دولار هناك. وعندها ستتوحد الإدارة الأمريكية كلّها في وجه بوش وتخيّره بين التنحي عن منصبه، أو تغيير موقفه من سورية التي تحسنت صورتها علي يد الله، ويد جو ألبو، ودولارات السفارة السورية. وساعتها سيخرج السفير السوري في واشنطن عماد مصطفي بوجه مرتاح وغير ممتقع هذه المرة، ليعلن في (خيمة صفوان) الاعلامية على CNN أن المهمة أنجزت.
إذا نجح جو ألبو في استخدام هذا الأسلوب السوري المجرب والناجح، في تحسين صورة سورية الاعلامية في أمريكا، فستكون مهمته قد أنجزت وحلال عليه الدولارات التي اقتطعت من السوريين. فحسب خبرتي بالعقل السوري أرى أن اختيار جو ألبو بالذات لانجاز هذه المهمة، كان هدفه استخدام هذا الأسلوب السوري في التسويق، باعتباره أحد أصدقاء الرئيس جورج بوش القدامي، وأحد أعضاء إدارته السابقين. ولذلك فهو ـ حسب عقل من استخدمه ـ وسيط رشاوي أكثر من كونه مسوّقاً إعلامياً أو إعلانياً أو رجل علاقات عامة.
أما إذا لم ينجح ولجأ إلي الطريق الثاني وهو التسويق حسب الأسلوب الأمريكي، فسيكون في مشكلة كبيرة، وموقف أكثر إحراجاً من موقف المرأة التي حبست قطة فلا هي أطعمتها، ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض، حسب ما جاء في الحديث الشريف الذي نقله أبو هريرة. لأنه عليه عندها أن يبحث عن معطيات واقعية لتسويق صورة سورية إعلامياً، وسيتلفت حوله كثيراً، ويضرب جبهته طويلاً بالجدران، وسيشعر أن وضعه أصعب من وضع سيدنا يوسف بعد أن ألقاه إخوته في البئر. فلو جلس جو ألبو أمام شاشة التلفزيون ليبحث عن بضاعة إعلامية يسوق بها سورية، وشاهد برامج المنظمات الشعبية من الطلائع إلي الشبيبة إلى الطلبة إلي الحرفيين، سيترك حملته الدعائية ليصبح أحد المداومين في العيادات النفسية، ومصحات الاستشفاء من الكآبة والوساوس القهرية.
ولو وقع بين يدي جو ألبو عدد جريدة الشرق الأوسط الصادر في 24/10/2004 وقرأ فيه تصريح وزير الاعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله الذي اعتبر فيه أن سورية اعلنت اكثر من مرة ان وجود جيشها مؤقت في لبنان، وبعد فترة قد تضطر إلى طلب مساعدة من الجيش اللبناني في سورية، والكثير من السوريين يتمنون رؤية الجيش اللبناني في شوارع دمشق فسيكسب الإسلام رجلاً صالحاً يدخل في دعوته، بعد أن يرفع محمد جو ألبو ـ كما سيسمي نفسه ـ سبابتيه في الهواء ناطقاً بالشهادتين، ناذراً قضاء ما تبقي من عمره في قراءة (سورة الفلق).
لكن المصيبة لو قرر جو ألبو وضع شعار الإصلاح الذي تردده وسائل الإعلام السورية ثلاث مرات في اليوم (بلعاً) عن طريق الفم، قبل الأكل وبعده، عنواناً لحملته التجميلية لصورة سورية إعلامياً، كونه سيكتشف أنه يعمل في المكان الخاطئ والاتجاه الخاطئ، لأن المطلوب عندها سيكون تحسين صورة أمريكا في سورية إعلامياً وليس العكس.
أخشي أن نستيقظ ذات صباح ونفاجأ بأن جو ألبو متعهّد تحسين صورة سورية في أمريكا قد اتخذ قراراً باعتزال مهنة العلاقات العامة والتسويق الإعلامي والإعلاني، وفضّل السفر إلي مجاهل غابات إفريقيا ليعمل في اصطياد الحيوانات المفترسة. فهي مع كل خطورتها، أكثر سهولة من المهمة الشاقة التي تعاقدت معه السفارة السورية في واشنطن لانجازها.
*كاتب وصحافي من سورية
""
No comments:
Post a Comment